1-في البيوت تعوَّد كثير من الآباء الصّمت المطبق، فهم لا يقومون بالتحادث مع أبنائهم، ولا ببذر بعض الأفكار الجيدة في عقولهم، ولا بتوضيح القيم والمثل السامية التي ينبغي أن يتشربوها. وربما كان ذلك منهم بسبب الاعتقاد بأن أمور أبنائهم تمضي على ما يُرام، وأنه ليس هناك شيء جديد أو زائد يمكن إيصاله إليهم. ويستمر الأمر على هذه الحال إلى أن يقع أحد الأولاد في مشكلة كبرى، أو يسبب لأسرته ما يشبه الفضيحة.
حينئذ تتفجر ينابيع الحكمة على لسان الأب، ويبدأ حملة كبرى من التقريع والتوبيخ واللوم، ويتمادى في ذلك إلى الضرب والطرد من المنزل..
لو كانت البنية العقلية للأب بنية إيجابية فلربما حدث العكس، وهو أن يتحدث في الأحوال العادية -أوقات الرخاء- بما يبني الاتجاهات الجيدة، وبما يرسّخ في نفسه القيم الإسلامية والمُثل السامية. إنّه يحاول أنْ يمدَّ جسور الثقة بينه وبين ابنه. ومن خلال هذه وتلك ينمو الوازع الداخليّ لدى الأبناء، وتسهُل المفاتحة بينهم وبين آبائهم، وبذلك يتمّ حفر خطوط متقدمة تحول دون وقوعهم في مشكلات كبرى. وإذا حدثت مشكلة فإن علاجها يكون سهلًا، ويكون طريق الأوبة معبّدًا، ويجد الأب حينها أنه لا يحتاج إلى الكثير من الهياج ولا الكثير من الصياح.
2-بات من المعروف في كثير من المدارس أن المدير الجيد هو المدير الحازم الذي يضبط إيقاع الحركة في مدرسته، ويقضي على ما يمكن أن يظهر من شذوذات في ملابس الطلاب وهيئاتهم. ومع أننا لسنا مع التساهل حيال هذه الأشياء إلا أن الجهد الأساس لا ينبغي أن يُبذل فيها؛ لأنها ليست أكثر من أعراض للمرض، وليست المرض ذاته. إن الجهد ينبغي أن ينصبّ على بناء عقول الطلاب وبناء عواطفهم ومشاعرهم على النحو الذي يعمّق معنى الالتزام والفضيلة في نفوسهم ليكون صلاح المظهر شيئًا يعكسه جمال المخبر.
إنّ من المهم أنْ ندرك أن الأعمال الحضاريّة والإصلاحيّة الكبرى لا تقوم على المنع والحجر والتضييق، وإنما تقوم على العطاء والبذل والإبداع والمبادرة، وفي ظل ذلك تتم معالجة المشكلات التي تنشأ نتيجة الحركة والتقدم.
وإن كثيرًا من انحرافات الأبناء والطلاب ما هو إلا صدى لنقص البناء، وصدى للفراغ الروحي الرهيب الذي يجتاحهم. الأعمال الإيجابية تدفع في اتجاه التفتح الروحي والذهني، على حين يدفع الحظر وفرض القيود في اتجاه الاختناق والذبول، وبينهما من الفرق ما يشبه الفرق بين الحياة والموت.
إن الضعيف اليائس المحاصَر لا يحتاج إلى ما يزيده ضعفًا، وإنما يحتاج إلى ما يحرّر طاقاته، ويحرّك المعاني الراكدة في ذاته. والمؤمن القويّ خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير؛ كما قال الصادق المصدوق.
#رمضان: فرصة للتجديد
د. عبد الكريم بكار 28/8/1427
حظي رمضان باهتمام المسلمين في القديم والحديث وفي كل أرض من أرض الإسلام، وقد تجاوز استعداد المسلمين لاستقباله كلّ ما هو مألوف في التعامل مع العبادات؛ بل إن لدى المسلمين دوافع خفية لجعل هذا الشهر عبارة عن احتفالية كاملة، تُتوّج بأفراح العيد؛ وقد ذكر ابن الجوزي أن في مسلمي زمانه مَن إذا جلدْتَه حتى يفطر في رمضان ما أفطر، ومن إذا جلدْتَه ليصلي ما صلّى! إنها فعلًا مفارقة عجيبة؛ لكن يبدو لي أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى الفطر في نهار رمضان على أنه نقص في الرجولة وضعف في الشخصية، ولهذا فإنهم يحرصون عليه هذا الحرص المميز. وهذه بعض الخواطر التي تتعلّق بهذه الشعيرة العظيمة.
1-شرع الله -تعالى- العبادات في الإسلام من أجل صقل الإنسان المسلم وتهذيبه، ومن أجل تدعيم صلته بالله -تعالى- فضلًا عن أنها أدوات ابتلاء واختبار، فمَنْ أدّاها على وجهها وبآدابها نجح وأفلح، ومن ضيّعها أضاع نفسه، وعرّضها لأشد العقوبات. هذا يعني أن علينا أن نتلمّس ما تتركه عبادة الصيام من تأثير في جوهر التديّن، والذي يقوم على الإخلاص وحبِّ الله -تعالى- ورجائه والشوق إليه والحياء منه، والسعي الصادق والدؤوب في تلمّس مراضيه، وإن الذي صام رمضان، وقام ليله، واعتاد ارتياد المساجد فيه، جدير بأن يشعر بأن تغييرًا جيدًا قد طرأ على ذاته، وأنه قد أعاد شحن طاقاته الروحيّة التي استنفد كثيرًا منها في الفترة الواقعة بين رمضان ورمضان. الذي أريد أن أقوله هنا هو: أن ثمرة الصيام يجب أن تظهر في حسن عبودية المسلم لله -عز وجل- على صعيد الرجاء والخوف والثقة والتذلّل والحب والولاء... إنه يشعر بمشاعر من كان تائهًا عن أهله وبيته، ثم وجده ووجدهم! ويجب أن تظهر ثمرة الصيام أيضًا على صعيد السلوك العملي من الالتزام بحدود الله -تعالى- والعمل بآداب الشريعة الغراء... إننا نريد أن نرى بعد رمضان تحسنًا يطرأ على رؤيتنا للدنيا والآخرة، أي أن تترجم حركتنا اليومية اعتقادنا بأن الدنيا مزرعة الآخرة.