-في الأمة اليوم مظالم كثيرة، ولا يكاد يخلو مجلس من المجالس من ذكر مظلمة من المظالم! وقد صارت مهمة المحامين في كثير من الدول الإسلامية- مع الأسف الشديد- طمس الحقيقة وإضاعة الحقوق والعمل على تأجيل المحاكمات إلى ما لا نهاية وتسربت الرشوة إلى سلك القضاء مع استثناءات مقدرة! إن هذه الوضعية تستلزم قيام مؤسسات وروابط ومنظمات لنصرة الضعيف ورفع الظلم عن المظلوم ومؤازرة المضطهد وفضح أشكال الحيف. وقد أثنى - صلى الله عليه وسلم- على حلف الفضول الذي أقامته قريش في الجاهلية، وحضره - عليه الصلاة والسلام- وقال:"ولو دعيت إلى مثله لأجبت". وقال أيضًا في حديث صحيح:"إنه لا قُدَّست أمة لا يأخذ الضعيف حقه فيها غير متعتع".
إن التعليم والقضاء يشكلان محورين أساسين في حياة أي أمة وإن في فسادهما فساد الحياة كلها، فعلينا أن نصلح من شأنهما قدر الاستطاعة ولن يكون ذلك إلا من خلال توفير رقابة شعبية واسعة، ولن تكون تلك الرقابة فعالة إذا لم تنظم وتؤطر على نحو جيد.
-الأمية في العالم الإسلامي ضاربة أطنابها، ومازال المعدل الوسطي لها يدور في فلك الـ (40%) وهذا شيء مخيف في زماننا فقد احتفلت اليابان بتعليم آخر أمي في أواخر القرن التاسع عشر. ولدينا أناس يعرفون القراءة والكتابة لكنهم لا يقرؤون. وكما قال أحدهم: ما الفرق بين الأمي وبين من يحسن القراءة والكتابة لكنه لا يقرأ؟! إن حالة القراءة وطلب العلم والحرص على معرفة الجديد في حالة من التردي المستمر في عالمنا الإسلامي. والكتاب يفقد في كل يوم جزءًا من أرضه لصالح ما يمكن أن نسميه (اللهو المطلي بالمعرفة) وهذا يلقي علينا مسؤولية هائلة. إني أفترض أن يكون لدينا في كل حي من الأحياء مكتبة عامة يضعها أحد الأثرياء في زاوية من داره ليرتادها أهل الحي وتكون مكانًا لالتقائهم ومناقشة أمور حيهم. وأتعشم أن يكون هناك برامج لدعم الكتاب الجيد وأن يكون هناك من حانات للقراءة ومكتبات متنقلة لنشر العلم وإعارة الكتاب. وقد سبقتنا دول كثيرة إلى هذا، ولم يعد لدينا وقت لإضاعته. إن من غير شغف حقيقي بالعلم واتخاذه أساسًا للتطوير لن نستطيع أن نتجاوز الأوضاع الصعبة التي نعيش فيها.
-العولمة تشجع الحكومات على أن تنفض يديها من كل الخدمات المجانية والرخيصة التي تقدمها، ومنها (العلاج الصحي) . والخدمات الصحية الحكومية في كثير من بلدان العالم الإسلامي في حالة من التدهور حيث يلجأ الناس إلى الطب الخاص، وهناك تجد أشكالًا من التحايل والابتزاز مما يوجب قيام مؤسسات طبية لا ربحية يعمل فيها الأخيار من الأطباء وتتقاضى أجورًا تكفي فقط لتشغيلها. وقد قامت تجارب رائدة في بعض البلدان الإسلامية في هذا المجال، إنها تقدم أفضل علاج، لكن بسعر لا يزيد على 30% مما لدى غيرها. إني أتصور أن يكون هناك جمعيات للعناية بأصحاب الأمراض المزمنة والمستعصية وجمعيات لتوفير الدواء لمن لا يجد ثمنه وجمعيات لدعم المستشفيات الحكومية بالأجهزة وهكذا.
ولا أريد هنا أن أتحدث عن قضية الفقر لأنني سأفرد لها حديثًا خاصًا في المستقبل بإذن الله.
إن العمل الخيري التطوعي يستهدف أولًا الارتقاء بنفوس فئة كبيرة من المجتمع وربطهم بالله - تعالى- وهذه الفئة هي العاملون والمحتسبون في المجال اللاربحي. ويستهدف ثانيًا سد حاجات العناصر الضعيفة في المجتمع، وهي في عالمنا الإسلامي كثيرة جدًا بل تشكل النسبة الأكبر من الناس. وسنظل نعيش على هامش العالم ما لم نبدع في إيجاد الحلول للمشكلات التي جاءت بها الحضارة المعاصرة . والله ولي التوفيق.
د. عبد الكريم بكار
ثمة قطيعة معرفية في البنيان الثقافي للعقلية الإسلامية بين مواد تكوينها والراهن المعاش. كيف نؤسس لثقافة واعية ناضجة تهتم بالتراث ولا تخاصم العصر والواقع؟
دعنا في البداية نحاول العثور على تعريف للعقلية حتى نوجد محورًا للحديث عنها. في تصوري أنه يمكن تعريف العقلية بأنها"مجموعة المفاهيم المترابطة التي ندرك من خلالها الواقع، ونتعامل في ضوئها مع الأحداث، كما تتبلور من خلالها ردود أفعالنا على التحديات المختلفة. وهذه المفاهيم مرتبطة بمجموعة المبادئ التي تشكل العقل الفطري أو الأول لدى الإنسان. ولا يخفى أن جوهر العقلية يتكون من أمور مكتسبة، تفد إلى الإنسان عن طريق التربية الأسرية والمعايشة الاجتماعية، وعن طريق التعليم في المدارس والمطالعة الخاصة، وما تبثه وسائل الإعلام المختلفة..."
هذا يعني أن التربية والتثقيف يشكلان الوسيلة الأساسية لبناء العقلية. أما كيف نحصل على العقلية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فحديث هذا الموضوع يطول، لكن يمكن أن نذكر بصدده عددًا من الملاحظات: