قد انتشرت بينهم الذنوب والمعاصي، وصارت المبادئ السامية عبارة عن شعارات فارغة لا توجه السلوك، بل تتخذ للتزيين والتكميل الشكلي، وقد كان ابن حزم يقسم بأن ملوك الطوائف لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية لأمورهم لعبدوها! وانعدمت الغيرة الدينية لدى كثير من العامة، فصار إنكار المنكرات من الأمور المنسية، وقد ذكر بعض المؤرخين أن رجلًا نصرانيًا وقف في شارع عام في قرطبة أيام ابن عبدالجبار، وشتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بألفاظ نابية، فلم يكلمه أحد من المسلمين بكلمة! وقد تحركت غيرة أحد المسلمين، فقال مستنهضًا لمن حوله: ألا تنكرون ما تسمعون! أما أنتم مسلمون؟ فقال جماعة منهم: امض لشغلك!
وانتشرت في العديد من المدن الأندلسية أشياء تخدش صفاء العقيدة، فقد كانت قرطاجة -كما وصف بعض المؤرخين- مملوءة بأقواس من الحجارة المزخرفة بالصور والتماثيل وأشكال الناس وصور الحيوانات، مما يدهش الأبصار.
إن كل شكل من أشكال المعصية موصول على مستوى ما بشكل من أشكال الهزيمة والانكسار، وهذا ما لم يكن واضحًا لدى القوم!
5-إن مصير المسلمين في الأندلس كان مرتبطًا بالخطة التي ينتهجونها في التعامل مع أعدائهم، وفي وضع كوضعهم كان الخيار الصحيح بالنسبة إليهم هو الاستمرار في الجهاد حتى يوجهوا فائض القوة نحو الخارج، وحتى يحافظوا على وحدتهم الداخلية، بالإضافة إلى أن ذلك يمكنهم من فتح خطوط متقدمة في أرض أعدائهم حتى يتمكنوا من الحفاظ على أرضهم (كما فعل اليهود) وقد كان بإمكانهم فعل ذلك؛ وربع الأموال التي أنفقت على أشكال الترف والسرف كان كافيًا لتزويد الحركة الجهادية بما تحتاجه من نفقات؛ لكن القوم ارتضوا لأنفسهم الخطة الدفاعية في مواجهة عدو له عمق استراتيجي ضخم هو أوربا كلها. وليت القوم أحسنوا الدفاع إذن لخرجوا بشيء ما، لكنهم كانوا طوائف وشيعًا فلم يستطيعوا الوقوف صفًا واحدًا، وقد كان حسم المواقف وتحديد الوجهة هو أهم ما ينقصهم، كما هو شأن كل المخذولين.
إن المسلمين بإعراضهم عن الجهاد وإدامة الهجوم وضعوا أنفسهم في وضعية المدافع المحاصر وقد قالت العرب قديمًا: المحاصر لا يأتي بخير. وعلى كل حال فدولهم الكثيرة التي كانت تتطاحن في مساحة محدودة من الأرض -لم تكن مهيأة لأكثر مما فعلت، فقد كان بين معظمها وبين الحكم بما أنزل الله -تعالى- فجوة كبيرة، وهي كما وصفها ابن حزم -رحمه الله-:"نظم مستبدة مستهينة بالدماء مكثرة من أسباب الترف وضروب العمران واستجلاب المنافقين من الكتاب والوزراء والشعراء، وقد نشأ بينها من المفاسد ما أعوز دفعه، واستحكم ضرره"كلما قرأت في تاريخ الأندلس السليبة تذكرت صراعنا مع اليهود، وأبصرت من أسباب الهزيمة هنا ما أبصرته هناك! ولله الأمر من قبل ومن بعد
د. عبد الكريم بكار
ليس هناك من شك في أننا نعيش في ظل حضارة تمارس أكبر عملية تنميط للأذواق والرغبات والأفكار والرؤى والمفاهيم على نحو مستبدٍ وطاغ، من أجل تعبيد الطريق أمام الإنتاج العظيم والتسويق الكبير، ومن أجل إزاحة كل الخصوصيات والتنوعات الدينية والعرقية التي تعوق حركة العلولمة.
في ظل الحضارة الحديثة يتم نشر الشروط الموضوعية المطلوبة للحياة الطيبة؛ ومعظم تلك الشروط - إن لم نقل جميعها- لا يتحقق من غير المال. وبما أن المعروض منه دائمًا دون ما هو مطلوب، فقد اشتعلت منافسة ضارية من أجل الحصول عليه. والمنافسة الحامية تتصل على نحوٍ ما بشكلٍ من أشكال انحطاط المدنية. وبما أن الحضارة المعاصرة رسّخت في وعي الناس أن المال هو كل شيء، فقد صارت كل طرق تحقيق الذات تمرّ عبر امتلاك أكبر قدر ممكن منه، ومن شدة تعمق هذا الفهم صار كثير من الناس مستعدين لعمل أي شيء من أجل المزيد من الاستحواز عليه، إلى درجة أن صار الهامش الفاصل بين النجاح على الصعيد المالي وبين اللصوصية ضيقًا لا يكاد يرى!
الحضارة الحديثة تؤكد أيضًا على الحقائق بوصفها الأساسي الذي يقوم عليه كل تطوير وكل مراجعة، وتهمل مسألة (القيم) وما يمكن أن يكون لها من دور إرشادي في استخدام الحقائق وتوجيه السلوك.
وهي مرة ثالثة تؤكد على العلم بوصفه حقائق تم اختبارها، وأثبتت صلاحيتها في بناء التقدم، في الوقت الذي أهملت فيه دور (الحكمة) بوصفها شيئًا خاصًا وخيارًا شخصيًا؛ ولهذا فقد صار لدينا اليوم عدد كبير من العلماء، وعدد قليل من الحكماء!
وأخيرًا فإن الحضارة الحديثة تروّج لثقافة الصورة وثقافة الشكل، وأخذ يستقر في أذهان الناس شيئًا فشيئًا أن الرجل السعيد هو دائمًا شاب، والمرأة السعيدة هي دائمًا جميلة، ويتم غض الطرف عن كل موروث البشرية الذي يؤكد على دور الفضيلة والإيثار والتقوى والقناعة والثبات على المبدأ في الحياة الهانئة واللياقة الاجتماعية!
من الواضح في ضوء كل هذا أن على الذين يرغبون في إعادة الأمور إلى نصابها أن يعيدوا اكتشاف هذا المهمل والمهمّش والسكوت عنه، أي القيم والحكمة والجوهر وتوجيه الإدراك نحو تلمس موارد غير مادية للأمن والسعادة والطمأنينة والنهوض.