فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 292

وأود هنا أن أركز على نقطة هي أن في إمكاننا من خلال رؤية مغايرة لبعض الأشياء وتفسير بعض الأحداث على نحو يستجيب للرؤية الإسلامية للحياة -أن نخفف من الطلب على المال والشهرة والنفوذ؛ بوصفها أدوات لتحقيق الوجود المعنوي، والمادي وأن نخفف من وطأة منغصات الحياة أيضًا.

وليس في هذا أي قفز على الشروط الموضوعية للحياة السوّية ولا أي تجاوز للحقائق الثابتة، بل إنه على العكس من ذلك يشكل التصاقًا بالحقائق الأشد عمقًا والأقوى رسوخًا.

إن العالم ليس إلا ما نراه، وإن جوهر الأحداث يكمن في تفسيرنا لها وفي تحديدنا لعلاقتها بنا، وإن للحقيقة الواحدة عشرين ظلًا، ورسم تلك الظلال من شأننا نحن بني آدم، وكما يتم تلوين السائل بلون الإناء الذي نضعه فيه كذلك يمكن أن تتفاعل مع الأشياء وفق الظلال التي نرسمها لها والأصداء التي نضعها.

يساعد في هذا أن عالمنا الداخلي لا يتأثر بالشروط الموضوعية الخارجية، ولا بالحقائق الملموسة فحسب، فالأوهام والأحلام والذكريات والمخاوف والأمنيات والخيالات تؤثر في ذلك العالم على نحو قد يكون أشد وأعمق من تأثير الحقائق الصلبة. وحين يقول إنسان: إنه سعيد، فينبغي أن نصدقه، ويجب عليه هو ألا يتساءل عن أسباب سعادته، وليست الدعوة إلى توجيه الإدراك شيئًا جديدًا نبتدعه، فهناك نصوص وآثار وأقوال تؤكد على نجاعة هذا الأمر ومشروعيته، وهناك ممارسة يومية له من كثير من الناس لنتأمل في قوله -سبحانه-:"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" [البقرة:216] . وقوله:"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" [النساء: من الآية19] . إنها دعوة إلى عدم الحكم على الأمور بناء على عواطفنا على ما يلوح لنا من ظواهرها أو بداياتها؛ لأن ذلك ينطوي على العجلة والسطحية، فمعرفة مآلات الأشياء تحتاج إلى علم مطلق، وهو غير متاح لنا، ولهذا فإن على المسلم ألا يغالي في حب الأشياء وكرهها؛ لأنه لا يعرف كيف ستكون عليه الحال في النهاية. وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يقول:"لا تغبطوا الأحياء إلا على ما تغبطون عليه الأموات"فما دمنا نحن -وما نملك- شيئًا عابرًا في هذه الدنيا فإن ما يستحق الغبطة فعلًا هو ما يذهب معنا وليس ما يبقى هنا، وهو شيء وحيد لا أشياء، إنه باختصار العمل الصالح.

إن المرء من خلال توجيه إدراكه يستطيع أن يستخرج من عمق الأزمة والمصيبة شيئًا يستدعي الحمد والشعور بالرضا، كما كان يفعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حيث عبّر عن ذلك بقوله:"ما أصبت بمصيبة إلا تذكرت فيها ثلاثة أمور: أنها لم تكن في ديني، ولم تكن أكبر مما هي عليه، وذكرت مثوبة الله فيها".

إن الموت الذي يشكل هاجسًا مقلقًا يمكن أن ينظر إليه نظرة، وينظر إلى العيش في هذه الحياة على أنه عائق يحول بيننا وبين الحياة الحقيقية المنتظرة، وقد قال أحد فقهاء النفس والشرع:"إن المسلم إذا أدى ما افترضه الله -تعالى- عليه، وانتهى عما نهاه عنه لم يكن بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت"بهذه اللفتة والرؤية المختلفة تصبح الحياة شيئًا معوِّقًا، ويصبح الموت جسرًا إلى مأمول عظيم!

وكتب رجل في الثمانين إلى رجل في الستين مهنئًا له ببلوغ تلك السن، كتب يقول:"قد بدأت تعيش بعد ستين سنة من التأهب، وأنت الآن من الحكمة بحيث يمكنك أن توجه نفسك، وتساعد الآخرين، ولهذا فأنت مقدّر لك أن تكتشف كما اكتشفت أنا من قبلك أن أفضل شطر في الحياة هو بين الستين والثمانين. لا تتصور أبدًا أنك تقترب من النهاية، بل من بداية جديدة، وإن مثل هذا الموقف سيغير كليًا استشرافك للمستقبل؛ وإن هذه الحياة وإن كانت تحتاج إلى أن نتحملها في بعض الأحيان إلا أنها تقدم أساسًا وإلى الأبد الوعد بحياة أسمى وأجمل".

إنه لشيء مدهش أن نمتلك من نفاذ البصيرة ما يجعلنا نبصر خطّ النهاية ونحن عند خط البداية، فنوفر على أنفسنا الكثير من الجهد والعناء، والكثير من صدمات الوعي وظلمات الطرق المسدودة!

المنغصات والمتاعب ومضيّ الأمور على غير ما نشتهي لها دائمًا وجه آخر يتجلى في كونها جزءًا من توازن الحياة، وبفضلها تتألّف المسرّات والملذات؛ إذ إن من الواضح أن لا سبيل إلى الشعور بكمال الهناء إن لم يسبقه شعور بشيء من العوز والشقاء؛ فألذ الطعام ما كان بعد جوع، وأهنأ الشراب ما كان بعد عطش...

وحين يأتي ما يقطع بهجة من مباهج النفس، فإن تلك البهجة تتحول إلى ذكرى، وبذلك التحول تصبح مصدرًا لاستمتاع نقي نستدعيه متى ما شئنا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت