فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 292

من وجه آخر فإن وسائل الإعلام الحديثة ، قد سببت أضرارًا بالغة للشعور بالحاجة إلى التفكير ، فكتَّابها ومعدُّو برامجها قاموا بذلك نيابة عن المتلقين . إن مشاهد (التلفاز) ومستمع الإذاعة وقارئ المجلة أو الجريدة .. يتلقى مركَّبًا كاملًا من البيانات والإحصاءات المنتقاة بعناية ، والمصوغة بأسلوب بلاغي بارع ، مما يدهش القارئ ، ويدفعه إلى نوع من الاستسلام لها ، والانقياد إلى توجهاتها دون القيام ببذل أي جهد شخصي ؛ وهذا كله مغاير لمتطلبات التطور العلمي والاجتماعي الحديث ، والذي يتطلب منا القدرة على الإبداع ، وترشيد المحاكمة العقلية أكثر من الانشغال باستيعاب بعض مفردات المعرفة واستظهارها . هذا كله لا يجعلنا ننكر أن الدفق الإعلامي والمعلوماتي الهائل ، قد أوجد نوعًا من الاستنارة العامة ، ورفع درجة الوعي لدى الناس ، كما أنه ملكهم الكثير من المعلومات العامة .

إن الهامش الذي يفصل بين التسلية وبين التثقيف الحق هامش ضيِّق ، ومن السهل أن يكون ما نستمع إليه ونشاهده ضربًا من ضروب التسلية ، وتزجية الوقت ، ونحن نظن أننا نتعلم . واعتقد أن الكتاب ما زال هو الوسيلة الأساسية للتثقيف الجيد ، حيث نستطيع أن نمارس حريتنا كاملة في اختيار ما نحتاج إليه ، وهو لا يحتاج إلى آلات مساعدة للاطلاع عليه ، كما أنه رخيص الثمن إذا ما قورن بغيره .

ولست مع هذا أميل إلى التقليل من شأن مصادر المعلومات الأخرى ؛ فالمهم دائمًا أن تكون أهدافنا في التثقيف والارتقاء المعرفي واضحة ، ثم نبحث عن الأدوات والوسائل التي تبلغنا إياها .

والله ولي التوفيق ، ، ،

لم تكن الحاجة ماسّة إلى الفهم العميق في يوم من الأيام كما هي اليوم ؛ فالمعلومات متوفرة إلى حد التخمة ، وصار الفارق الواضح بين إنسان وآخر يتمثل في مقدرته على الفهم ، والاستفادة من تلك المعلومات على نحو حسن . وهذا لن يتم إلا من خلال امتلاك مركّب عقلي جديد ، ذي بنية متميزة . ومهمة التربية أن تساهم في تكوين تلك البنية وصقلها . وسنذكر هنا بعض المسائل ذات العلاقة بذلك:

أ - إن أول عمل علينا أن نقوم به هو أن نقلع الأشواك من الأرض الطيبة التي نريد أن نزرعها . كثيرًا ما نعمد إلى محاولة تلقين الطلاب بعض المبادئ المنطقية ، أو نشرح لهم بعض أساليب التفكير ؛ وعند النظر في مدى التأثير الذي يتركه ذلك في تصحيح تصوراتهم نجد أنه محدود جدًا . وقد رأينا كثيرًا ممن يدرِّس علم (المنطق) وكثيرًا ممن درسه ، ورأينا أن تفكيرهم يفتقر إلى بعض البدهيات التي يحتاجها التفكير القويم ! ولذا فإن من الصحيح أن يركز المربي في البداية على إلقاء الأضواء الكاشفة على الأفكار والرواسب السابقة ، والمفاهيم والعادات العقلية والنفسية التي تحول دون الرؤية الصحيحة [1] ، مثل التعصب والمبالغة والرؤية النصفية ، والميل إلى التبسيط ، والانغلاق ، والخضوع للمقولات الشائعة ، والتعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة ... وأعتقد أن أثر الأسرة في هذا لن يكون كبيرًا ؛ حيث إن هذه المسائل أعقد من أن ينتبه إليها الأشخاص العاديون ؛ وإنما المعوّل في ذلك على الوسائل الإعلامية والمناهج المدرسية والمجالس والندوات الفكرية .

ب - إن تقدم العالم كان في الأغلب عن طريق (الأزمات) وإن القفزات العلمية والإبداعية جاءت في الأغلب من خلال الاصطدام بمشكلات كبيرة ومحيرة .

الذين استطاعوا تجاوز العقبات ، والإتيان بالمبهر العظيم ، ليسوا أولئك الذين استسلموا للمقولات والمفاهيم السائدة في الساحة العلمية ، ولا أولئك الذين يتبرمون بالنتائج التي خالفت توقعاتهم ، وفروض بحوثهم ؛ وإنما أولئك الذين يملكون العقل المنظم الذي يهش ويبش في وجه المسائل المحيرة والمعضلات الغامضة ، ويمنحها الرعاية والملاطفة ؛ حتى يجد مخرجًا أو برهانًا يثبتها على محك التجربة والاختبار [2] . إن كثيرًا من أفكارنا لن يبلغ حده الكافي من التبلور والنضج إلا إذا اغتبطنا بالحقائق التي لا تتطابق مع ملاحظاتنا وفروضنا الأولية ؛ حيث من خلالها نستطيع إدخال تعديلات على أفكارنا ، ونجعلها أكثر ملاءمة للتقدم ، وأقرب إلى الدقة والصواب . نحن بشر وتحليلاتنا وملاحظاتنا ، ستظل قابلة للتشذيب والتطوير ، ويجب أن نعلِّم أطفالنا وطلابنا هذه الحقيقة ، ونُريهم من خلال الوقائع والمواقف التطبيقاتِ التي تجعلها تتغلغل في (اللاشعور) منهم .

ج - قالوا قديمًا: نصف عالم أضر على الأمة من جاهل . وهذا من الحكم الرائعة ؛ لأن الجاهل يملك بعض الأخلاقيات ، مثل التواضع وحب المعرفة ، والقدرة على الاستماع دون مقاطعة . أما نصف العالم ، فإن لديه قدرة على تكرار الألفاظ ، وطرح الفروض المبتذلة والدارجة ، وعنده حظ من الغرور والتعالم ؛ ولذا فإنه يسدل حجبًا سميكة على عقله ، فلا يتقبل الأفكار الجديدة ، ولا يملك من الحماسة ما يكفي لتطوير مفهوماته وطروحاته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت