-تتجلى المبالغة في بعض الأحيان في صورة قراءة لما في عقول الآخرين ؛ حيث يعتقد بعض الناس أنه يملك شفافية خاصة لمعرفة ما يدور في أذهان العباد ، وما تنطوي عليه سرائرهم ، فإذا توجهت إليه شركة بسؤال ظنّ أنها سألته ؛ لأنها لم تعثر على شخص آخر بإمكانه أن يجيب عن أسئلتها . وإذا واجه مشكلة ، ولم يتدخل فيها أحد من أصدقائه ؛ فذاك ليس لأنهم يريدون المحافظة على خصوصيته ، وإنما بسبب إهمالهم له ، أو شماتتهم به ، وإذا نصحه شخص بنصيحة ، فذاك ليس بقصد إصلاحه ، وإنما بقصد تحطيمه أمام نفسه ، وهكذا ...
-تترجم المبالغة في بعض الأحيان شكلًا من أشكال عدم الاتزان ؛ فترى بعض الأشخاص يتحولون من النقيض إلى نقيضه بسرعة البرق ؛ فبسبب كلمة أو حركة يمكن لأي شيء أن ينقلب رأسًا على عقب . ويبدو أن هذا النوع من المبالغة ، هو في الأصل ظاهرة نسوية [1] ، لكن للرجال أيضًا نصيبهم منها ، وطالما سمعنا من يقول: إن كنت تستطيع أن تقول ذلك فهذا يعني أن علاقتنا لا تعني أي شيء . ومن يقول: خطأ واحد يفسد الأمر كله .
-كثيرًا ما تتجلى المبالغة في ظاهرة الإسراف في المدح والذم ، وهذه الظاهرة عالمية ، لكن يمكن أن نقول هذه المرة: إنها ظاهرة عربية في المقام الأول ؛ فنحن من أكثر أمم الأرض تماديًا في المدح خاصة وقد تجاوزت المبالغة في المديح لدى بعض الناس مرحلة الكذب الصراح إلى مرحلة الكذب المركب والمعقد ، والذي يحتاج إلى منهاج خاص من أجل كشفه !
وأعتقد بعد هذا وذاك أن تحسن مستوى التفكير لدينا سيظل مرتبطًا بمدى ما يسود حياتنا من مناقشة ومصارحة ، وبمدى ما تحرزه الأمة من تقدم على الصعد الإنسانية المختلفة .
إن تجديد البعد العقلي ، يحتمل الكثير من الكلام ، لكن الوقت المتاح لا يسمح بأكثر مما قلناه ، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لما هو خير وأبقى .
(1) ورد في الحديث الشريف: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) .
إن فطر الله - جل وعلا - لبني الإنسان على التساؤل وحب الاستكشاف أتاح لهم أن ينمّوا كينوناتهم المعرفية ، وأن يندفعوا دائمًا نحو معرفة المزيد دون أن يجدوا أي حدود للتشبع أو الارتواء . كان العلم في القديم ، يقوم على (النقل) ، فكان التعلم والتعليم عبارة عن أفعال مقترنة بالزمان ، حيث يتمان وفق تتابع زمني ، وحين يموت العالم ، فمن الممكن أن يذهب معه أفضل ما يعرف ، وحين صار للغات أبجديات ، وتمتع الإنسان بنعمة الكتابة ، انتقلت المعرفة من حيز الزمان إلى حيز المكان ، وصار الحفظ والتوثيق والاسترجاع والنشر مما هو متاح على أوسع نطاق ، وبذلك أمكن للناس أن يطوروا معارفهم على نحو مدهش ، وصار للبشرية بذلك تاريخ جديد .
إن هناك دواعي كثيرة ، تفرض على الواحد منا أن يتعلم ، ويقرأ ، ويكتسب الخبرات مدى الحياة ، منها:
1-إن الذي يدعو الإنسان إلى مزيد من التعلم ، هو العلم نفسه ، إذ إنه كلما زادت المعرفة ، اتسعت منطقة المجهول ، والتقدم نفسه يعمل على زيادة حاجة الإنسان الشديدة إلى المعرفة ، حيث إن التوغل في حقول المعرفة ، يتيح إمكانات ومجالات جديدة ، ويولَّد دوافع جديدة للتقدم الأوسع نطاقًا . والمثقف الذي يرغب في الحفاظ على قيمة ثقافته وكرامتها ، مطالب بأن يعيد تكوين ثقافته على نحو مستمر ومتجدد ، وعندما يشعر بالاكتفاء بما لديه من معلومات ، سيضع نفسه على شفا الانحطاط . وإذا كان متخصصًا فإن أمواج القفزات العلمية في تخصصه ، ستقذف به نحو الشاطئ ، ليجد نفسه في النهاية خارج التخصص . الوضع الذهني للرجل متوسط الثقافة - فضلًا عن الضعيف - يسف وينحط بسبب ما يحتشد من النظريات والأفكار والمذاهب التي لم يعد بإمكانه المساهمة فيها ، حتى لو أبدى اهتمامًا بها .
إن جهلنا ينبسط مع تقدم المعرفة ، كما ينبسط سطح التماس لكرة ما مع العالم الخارجي عندما يكبر قطرها ، وهذا يشكل تحديًا متزايدًا لكل قارئ .
2-لم يكن لدى الناس قديمًا إحساس قوي بارتباط كسب الرزق بمدى ما يحصلَّونه من علم ، لكن الوضع قد تغير اليوم ؛ حيث تتضاءل على نحو متصاعد المهن والوظائف التي يمكن للأميين ومحدودي الثقافة الاضطلاع بها . وسوف تجد الأمة التي لا يحسَّن أبناؤها مستوى معارفهم - على نحو مستمر- نفسها مؤهلة لأن تكون تابعة للأمم الأخرى ، ومستغلة لها على كل المستويات !