ومع أن الوحدة ظلت المحور الذي يجذب مشاعرنا وأدبياتنا ، إلا أن حالتنا الراهنة تتجه باستمرار إلى مزيد من التمزق والتفكك ، مع أن العالم من حولنا يسير إلى التوحد والاندماج ! أما حقوقنا وكرامتنا وأراضينا فوضعنا ووضع العالم منها يلخصه المثل العربي القديم: ( أوسعتهم سبًا وأودوا بالإبل ) !!
ولا أريد أن أتمادى في (النبش) وتتبع المواجع حتى لا نقع فريسة اليأس القاتل لكن ما أريد أن أقوله هو أن وضعنا الحالي قد جاءت به النذارة في نصوص كثيرة منها: حديث [2] القصعة المعروف ، والذي وصف حالة الأمة بالغثائية ، والتضاؤل على المستوى الظاهري: غثاء كغثاء السيل ، وعلى مستوى المضمون ( الوهن ) : ( حب الدنيا وكراهية الموت ) .
وللغثاء سمتان أساسيتان: خفة الوزن وعدم الترابط ، ويترتب عليهما نتيجة مخيفة ، هي فقد الاتجاه الحر ، فالغثاء يساق دائمًا إلى حيث يريد ، وإلى حيث لا يريد ؛ وفي موازين عديدة يعد فقد الاتجاه فقدًا للوجود ذاته ! !
وهذا كله يعني أن أحوالنا الثقافية والسلوكية والاقتصادية إذا ظلت على ما هي عليه فلن تفرز إلا التبعية للآخرين ، والتي ستفرز من جهتها باستمرار صراعات في بُنانا العميقة تؤكد الغثائية وتؤصلها ! !
كيف نحول الكم إلى كيف ؟
نحن في حركتنا اليومية نقوم باستمرار بتحويل (الكم) إلى (كيف) فلا مشكلة في الممارسة العملية ، لكن الإشكال يكن في فقد التوازن بين الكم والكيف ، أو بعبارة أخرى في الكم الهائل الذي نستطيع تكييفه ؛ مما يحوله إلى عبء ثقيل وعقبة كأداء في طريق نجاحنا ؛ فالأمي والجائع والمريض والمنحرف والفوضوي والكسول ، كل أولئك يشدون الأمة بعنف نحو الوراء ، ويقفون في وجهها ، وهي تخطو نحو الخلاص من الغثائية ، وليس هذا فحسب بل إن هذه الهلاميات تستطيع أن تتأبى على أي قالب تشكيل تصادفه ، مما يجعلها دائمًا نقاط ضعف في جسم الأمة ونقاط ارتكاز ورؤوس جسور للمتربصين بها الدوائر ! !
ويكون السؤال حينئذ: كيف نحد من نسبة هؤلاء لتكون قريبة من الطبيعية ؟ ؟ إن هناك كلامًا كثيرًا يمكن أن نقوله في هذا الشأن ، لكنني أود أن أشير إشارة عابرة إلى محاور أربعة أحسبها منطلقات مهمة في هذه السبيل:
1-أن نشيع في الأمة روح التوحد على الأصول والحق القطعي ، وذلك يستلزم جهودًا دائمة في بلورة ذلك ؛ وأن نشيع إلى جانب ذلك روح التعاذر في الفروع والحق الاجتهادي ، ونضرب للناس الأمثلة العملية التي تنير لهم السبيل ، وأن نبقي في الحالتين هامشًا للتواصل والتبشير والإنذار .
2-أن نوسع في تربيتنا وحياتنا اليومية من مفاهيم العبادة لتشمل مجالات النفع العام ، كالأخذ بيد أولئك الذين قعدت بهم ظروفهم وإمكاناتهم عن أن يعيشوا حياة كريمة طبيعية ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار ) [3] وذلك بغية التخفيف من المعاناة التي يكابدها كثيرون من أفراد الأمة .
3-رعاية النابهين وإعطاؤهم ما يستحقونه من الاهتمام والمتابعة والبذل ، والنابهون هم أولئك الذين آتاهم الله - سبحانه - من المكنة ما جعلهم محاور يدور في فلكهم الآخرون ، والنابه قد يكون طالبًا عبقريًا ، وقد يكون وجيهًا يأتمر بأمره كثيرون ، وقد يكون واحدًا من ذوي رؤوس الأموال الطائلة ، وقد يكون ويكون ... ، وهذا من باب إنزال الناس منازلهم .
4-إقامة المؤسسات الكبرى على مختلف الصعد ، وتلك المؤسسات تؤصل فينا روح الفريق ، كما توفر الأطر الإدارية والفنية والعملية لأولئك الذين يملكون روح الإخلاص والعطاء . إن المؤسسات تمثل مهمة المحرك للسفينة تارة ومهمة المراسي تارة أخرى ، أي: تؤمن حركة راشدة متزنة .
وإذا ما فعلنا ذلك أو بعضه نكون قد ساعدنا الأمة في الخروج من نفق (الغثائية الكمية) المظلم ، ودفعناها نحو امتلاك أهلية قيادة العالم وهدايته . وعلى الله قصد السبيل .
(1) من حديث لابن مسعود يرفعه انظر فتح الباري 13/37 .
(2) أخرجه أحمد وأبو داود .
(3) أخرجه الشيخان وغيرهما .
في هذه الآية خير عظيم ، إذ فيها البشارة لأهل الإيمان بأن للكرب نهاية مهما طال أمده ، وأن الظلمة تحمل في أحشائها الفجر المنتظر . وتلك الحالة من التعاقب بين الأطوار والأوضاع المختلفة تنسجم مع الأحوال النفسية والمادية لبني البشر والتي تتأرجح بين النجاح والانكسار والإقبال والإدبار ، كما تنسجم مع صنوف الابتلاء الذي هو شرعة الحياة وميسمها العام . وقد بثت هذه الآية الأمل في نفوس الصحابة - رضوان الله عليهم- حيث رأوا في تكرارها توكيدًا لوعود الله - عز وجل - بتحسن الأحوال ، فقال ابن مسعود: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه . وذكر بعض أهل اللغة أن (العسر) معرّف بأل ، و (يسرًا) منكر ، وأن العرب إذا أعادت ذكر المعرفة كانت عين الأولى ، وإذا أعادت النكرة فكانت الثانية غير الأولى [1] . وخرجوا على هذا قول ابن عباس: لن يغلب عسر يسرين [2] .