فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 292

في المقابل فإن الهدف الكبير جدًا يصد صاحبه عن العمل له ، وفي هذا السياق نرى كثيرًا من أهل الخير ، يشعرون بالإحباط ، ويشكون دائمًا من سوء الأحوال ، وتدهور الأوضاع ، وهذا نابع من وجود هدف كبير لديهم هو (الصلاح العام) لكن ليس لديهم أهداف صغيرة ، أو مرحلية تصب فيه . إن كل هدف صغير يقتطع جزءًا من الهدف الكبير ، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل ؛ وعدم وجود أهداف صغيرة ، يجعل الهدف النهائي يبدو دائمًا كبيرًا وبعيدًا ، وهذا يسبب آلامًا نفسية مبرحة ، ويجعل المرء يظهر دائمًا بمظهر الحائر العاجز . إنه لا يأتي بالأمل إلا العمل ، وقليل دائم خير من كثير منقطع .

3-المرونة:

إن أنشطة جميع البشر ، تخضع لعدد من النظم المفتوحة ، ومن ثم فإن النتائج التي نتطلع إلى الحصول عليها ، تظل في دائرة التوقع والتخمين . حين يرسم الإنسان هدفًا ، فإنه يرسمه على أساس من التقييم للعوامل الموجودة خارج طبيعة عمله ، وخارج إرادته ، وهذه العوامل كثيرًا ما يتم تقييمها على نحو خاطئ ، كما أنها عرضة للتغير ، بالإضافة إلى أن إمكاناتنا التي سوف نستخدمها في ذلك هي الأخرى متغيرة ؛ ولهذا كله فإن الهدف يجب أن يكون (مرنًا) ، أي: له حدود دنيا ، وله حدود عليا ؛ وذلك كأن يخطط أحدنا لأن يقرأ في اليوم ما بين ساعتين إلى أربع ساعات ، أو يزور ثلاثة من الإخوة إلى خمسة وهكذا .. هذه المرونة تخفف من ضغط الأهداف علينا ؛ فالناس يشعرون حيال كثير من أهدافهم أنها التزامات أكثر منها واجبات ، والالتزام بحاجة دائمًا إلى درجة من الحرية ، وسيكون من الضار بنا تحوّل الأهداف إلى قيود صارمة ، وحواجز منيعة في وجه تلبية رغبات شخصية كثيرة .

4-الوضوح:

هذه السمة من السمات المهمة للهدف الجيد ، حيث لا تكاد تخلو حياة أي إنسان من الرغبة في تحقيق بعض الأمور ، لكن الملاحظ أن قلة قليلة من الناس ، تملك أهدافًا واضحة ومحددة ، ولذا فمن السهل أن يتهم الإنسان نفسه أو غيره بأنه لم يتقدم باتجاه أهدافه خطوة واحدة خلال عشرين سنة ، مع أنك لا تراه خلال تلك المدة إلا منهمكًا ومتابعًا بما يعتقد أنه هدف يستحق العناء !

إنه يمكن القول بسهولة: إن كل هدف ليس معه معيار لقياسه وللكشف عما أنجز منه ، وما بقي ؛ ليس بهدف . ولذا فإن من يملك أهدافًا واضحة يحدثك دائمًا عن إنجازاته ، وعن العقبات التي تواجهه . أما من لا يملك أهدافًا واضحة ، فتجده مضطربًا ، فتارة يحدثك أنه حقق الكثير الكثير ، وتارة يحدثك عن خيبته وإخفاقه ؛ إنه كمن يضرب في بيداء ، تعتسفه السبل ، وتشتته مفارق الطرق ! نجد هذا بصورة أوضح لدى الجماعات ؛ فالجماعة التي لا تملك أهدافًا واضحة محددة ، تظل مشتتة الرأي في حجم ما أنجزته ، ولا يكاد خمسة من أبنائها يتفقون في تقويمهم لذلك ! لا يكفي أن يكون الهدف واضحًا ، بل لا بد من تحديد توقيت لإنجازه ، فالزمان ليس ملكًا لنا إلى ما لا نهاية ، وطاقاتنا قابلة للنفاد . ثم إن القيمة الحقيقية للأهداف ، لا تتبلور إلا من خلال الوقت الذي يستغرقه الوصول إليها ، والجهد والتكاليف التي نحتاجها . ولهذا كله فالبديل عن وضوح الهدف ، ووضوح تكاليفه المتنوعة ، ليس سوى العبث والهدر والاستسلام للأماني الخادعة !

إن من أسباب ضبابية أهدافنا أننا لا نبذل جهدًا كافيًا في رسمها وتحديدها ، وهذا لا يؤدي إلى انعدام إمكانية قياسها فحسب ، وإنما يؤدي أيضًا إلى إدراكها بطريقة مبتذلة أو رتيبة ، مما يُفقدها القدرة على توليد الطاقة المطلوبة لإنجازها .

سنعمل الكثير من أجل أهدافنا إذا أدركنا أنه عن طريقها تتم الصياغة النهائية لوجودنا .

ولله الأمر من قبل ومن بعد

#وحدة الأمة : معوقات وإمكانات

ظلت الوحدة المحور الذي يجذب مشاعر سلفنا أهل السنة والجماعة وأنشطتهم على مدار التاريخ ، بل إن اسمهم يدل على ذلك ، فهم متوحدون على السنة ، وقد ضحوا في سبيل ذلك بتضحيات كثيرة ، ليس أقلها تحمل عسف الظلمة والطغاة ، وكيفوا كثيرًا من اجتهاداتهم على نحو يجعل وحدة الأمة واجتماع الكلمة هدفًا أسمى ، وحاجةً ملحة ، لكن ضعف الشورى وضعف الدولة المركزية في بغداد ، وعدم تطوير نظام إداري قوي مرن يحقق التوحيد في جوانب ، ويحفظ الخصوصيات في جوانب ، وأسباب أخرى أدت جميعها إلى تفتت الخلافة العباسية ووأدها على يد التتار عام 656 هـ ، وقامت بعد مدة الخلافة العثمانية ، فجمعت شمل كثير من الدول والإمارات الإسلامية مرة أخرى . ونتيجة لتآمر كبير من الخارج ، وقصور أكبر من الداخل سقطت الخلافة العثمانية ، وتشتت شمل العالم الإسلامي ، ووقع كثير من بلدانه في براثن الاستعمار الأوربي ، الذي لم يخرج حتى شوّه كثيرًا من البنى الفكرية والثقافية لتلك الدول المستعمرة ؛ حتى لا تختلف كثيرًا بعد خروجه عما كانت عليه قبله ، بل إن بعضها ازداد حاله سوءًا ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت