وقد جرت عادة الكثيرين منا أن يسترخوا حين ينجزون عملًا متميزًا ؛ مما يضعهم على بداية الطريق إلى أزمة تنتظرهم . ولذا فإن الرجل الناجح ، هو الذي يسأل نفسه في فورة نجاحه عن الأعمال التي ينبغي أن يخطط لها ، ويقوم بإنجازها ؛ فالتخطيط هو الذي يجعل أهمية المرء تأتي قبل الحَدَث . أما معظم الناس فإنهم لا يفكرون إلا عند وجود أزمة ، ولا يتحركون إلا حين تحيط بهم المشكلات من كل جانب ، أي يستيقظون بعد وقوع الحدث ، وبعد فوات الأوان !
2-إن وعي كثيرين منا بـ (الزمن) ضعيف ، ولذا فإن استخدامنا له في حل مشكلاتنا محدود . وحين يجتمع الناس برجل متفوق فإنهم يضعون بين يديه كل مشكلاتهم ، ويطلبون لها حلولًا عاجلة متجاهلين عنصر (الزمن) في تكوينها وتراكمها ، وطريقة الخلاص منها . ووجود هدف في حياة الواحد منا يجعل وعيه بالزمن أعظم ، ويجعله يستخدمه في تغيير أوضاعه . إذا سأل كل واحد منا نفسه:
ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه جهله بعلم من العلوم مثلًا أو قضية من القضايا ؟ فإنه يجد أنه في الوقت الحاضر لا يستطيع أن يفعل أي شيء يذكر تجاه ذلك . أما إذا سأل نفسه: ماذا يمكن أن يفعل تجاهه خلال خمس سنين ؟ فإنه سيجد أنه يستطيع أن يفعل الكثير ؛ وذلك بسبب وجود خطة ، واستهداف للمعالجة ، وهما دائمًا يقومان على عنصر الزمن . إني أعتقد أن كثيرًا من الخلل المنهجي في تصور أحوالنا ، وحل أزماتنا ، يعود إلى ضيق مساحة الرؤية ، ومساحة الفعل معًا ، وذلك كله بسبب فقد النظر البعيد المدى .
3-إن كثيرًا من الناس يظهرون ارتباكًا عظيمًا في التعامل مع (اللحظة الحاضرة) وذلك بسبب أنهم لم يفكروا فيها قبل حضورها ، فتتحول فرص الإنجاز والعطاء إلى فراغ قاتل ومفسد ؛ وهذا يجعلنا نقول: إننا لا نستطيع أن نسيطر على الحاضر ، ونضبط إيقاعه ، ونستغل إمكاناته ، إلا من خلال مجموعة من الآمال والأهداف والطموحات ، وبهذا تكون وظيفة الهدف في حياتنا هي استثمار اللحظة الماثلة على أفضل وجه ممكن .
إني أتجرأ وأقول: إن ملامح خلاص جيلنا ، والجيل القادم على الأقل من وهن التخلف والانكسار قد تبلورت في أمرين: المزيد من الالتزام بالمنهج الرباني ، والمزيد من التفوق ، ولا نستطيع أن نجعل هذين الأمرين حقيقة واقعة في حياتنا من غير تحديد أهداف واضحة .
سمات مطلوبة في الهدف:
1-المشروعية:
إن مجمل أهداف المرء في الحياة ، يعادل على نحو تام (استراتيجية) العمل لديه ، ولذا فإن الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة ، تختلط فيها عوامل البناء مع عوامل الهدم ، وينسخ بعضُها بعضَها الآخر . إن الهدف غير المشروع ، قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة ، لكنه يحطّ من التوازن العام للشخصية ، ويفجّر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة . وليس المقصود بشرعية الهدف أن يكون معدودًا في (المباحات) فحسب ، وإنما المقصود أن يكون مندمجًا على نحو ما في الهدف الأسمى والأكبر الذي يحيا المسلم من أجله على هذه الأرض ، ألا وهو الفوز برضوان الله تبارك وتعالى وهذا يعني أن الأهداف المرحلية والجزئية للواحد منا يجب ألا تتنافر معه في وضعيتها أو مفرزاتها أو نتائج تفاعلها . ولعل من علامات الانسجام بينها وبين الهدف الأكبر شعور المرء أنه يحيا (حياة طيبة) وهي لا تولد من رحم الرخاء المادي ، ولا من رحم التمتع بالجاه أو الاستحواذ على أكبر كمية من الأشياء ، وإنما تولد من ماهية التوازن والانسجام بين المطالب الروحية والمادية للفرد ، ومن التأنق الذي يشعر به من يؤدي واجباته .
الهدف المشروع عامل كبير في إيجاد التطابق بين رموزنا وخبراتنا ، وهو إلى ذلك مولِّد لما نحتاجه من حماسة للمضي في الطريق إلى نهايته .
2-الملاءمة:
لكل منا طاقاته وموارده المحدودة ، وله ظروفه الخاصة ، وله إلى جانب ذلك تطلعات وتشوّفات ؛ ومن الواضح اليوم أن الحضارة الحديثة أوجدت لدى الناس طموحات فوق ما هو متوفر من إمكانات لتلبيتها ، وهذا يؤدي بكثير من الناس إلى أن يسلكوا طرقًا غير مشروعة لتلبيتها ، أو يؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والانحسار .
والهدف الملائم ، هو ذلك الهدف الذي يتحدى ولا يعجز . ومعنى التحدي دائمًا: طلب تفجير طاقات كامنة أو استخدام موارد مهملة ، لكنها جميعًا ممكنة . حين يكون الهدف سهلًا فإنه لا يؤدي إلى حشد إمكاناتنا الذاتية ، ولا إلى تشغيل أجهزتنا النفسية والعقلية ، كما لو أننا طلبنا من شخص أن يقرأ في كل يوم ربع ساعة ، أو يستغفر عشر مرات .