فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 292

{ فإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا * إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا } ، وإن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب ، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها ومفتاح حلها ، وإن لجميع ما نعانيه من أزمات حلولًا مناسبة إذا ما توفر لها عقل المهندس ومبضع الجراح وحرقة الوالدة .. وعلى الله قصد السبيل .

(1) انظر البحر المحيط 8/488 .

(2) السابق , وبعض المحدثين يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- .

#{ ولَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا }

كان من جملة تسخير الله - تعالى - الكون لهذا الإنسان أن بثّ فيه سننًا تتسم بالاطراد والثبات والشمول . وهذه السنن مبثوثة في الكون والأنفس والمجتمعات .

وإن وجود السنن رحمة من الله - تعالى - بنا ؛ إذ أننا تمكنا بسببها من اختصار كثير من الجهود التي كان علينا أن نبذلها لفهم ما حولنا والتعامل معه . ولنتصور أن قانون إحراق النار ، أو قانون الجاذبية ، أو قانون تغير الحال إلى الأحسن أو الأسوأ تبعًا لجهد الإنسان وسلوكه لم يكن ثابتًا ولا مطردًا فكيف ستكون الحال إذن ؟ !

ومظهر آخر للرحمة في اطراد السنين هو أن التحول في أكثر الظواهر الاجتماعية يتم ببطىء ؛ وعمر الإنسان قصير إذا ما قيس بعمر الحضارات ؛ مما يجعله يبصر مقدمات الحدث دون نتائجه ، ونتائجه دون مقدماته وأسبابه . وحينئذ فإن من السهولة بمكان أن يصاب المرء بغبش الرؤية وضلال الأحكام .

والسنة بتجسيرها للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل جعلت في إمكان المسلم أن يعرف النتائج من خلال الوقوف على الأسباب ، والمقدمات من خلال رؤية نتائجها ، أي جعلت الأزمنة كتلة واحدة ، وهي بهذا الاعتبار تكون قد أمنّت للمسلم نوعًا من التواصل عبر حقب الزمان المختلفة ، فالماضي لم يغادرنا حتى ترك في حاضرنا ثقافة عصرنا وصفات وراثية محددة وظروفًا تؤطر مساحات حركتنا اليوم . إن الماضي سيظل يظهر في الحاضر بصورة ما ، وإن الحاضر سيظل يظهر في القابل بصورة ما ، وإن فيزياء التقدم عبارة عن حديث الحاضر مع الماضي عن المستقبل .

السُنَّة: إلتحام بكل الأبعاد ..

إذا كانت السنة هي الناموس العام الذي يؤمن الاستقرار والانسجام بين جزئيات الظاهر الواحدة إذا ما توفرت بعض الشروط الموضوعية فإن هذا يعني أن المسلم مأمور بعبور الماضي ليفهم جذور حاضره ، ومأمور بتجاوز الحاضر ليمد النظر نحو المستقبل ؛ كيما يفقه الخطوة المناسبة . ونجد نصوصًا كثيرة في هذا الأمر ، كقوله سبحانه: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ } [آل عمران: 137] . وقوله سبحانه: { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [العنكبوت: 20] . إنها دعوة للسير في الأرض والخروج من سجن المكان المألوف لرؤية خلق الله وإبصار سننه فيه . وبما أن المكان يرث دائمًا الزمان فإننا سوف نبصر من خلال السير في الأمكنة الكثير من الأزمنة الماضية وما خلفته لنا من آثار خلق الله تعالى .

وقد كانت هذه الأمة تحتل في يوم من الأيام مكان الصدارة بين الأمم ؛ فإذا بها تبحث عن مكان في الذيل ، فلا تجد ! والخطوة الأولى نحو استعادة بعض ما فات تتمحور حول بحث الأسباب التاريخية التي أدت بنا إلى هذه الحالة المنكورة . وهذا يعني أن علينا أن نثابر في قراءة التاريخ المرة تلو المرة حتى نقف على جذور الواقع الذي نعيشه إذا ما كنا جادين في تغييره نحو الأحسن .

إن ظواهر كثيرة في حياتنا ستظل غير مفهومة ما لم نعد إلى جذورها العميقة الضاربة في القدم ؛ فإذا ما نظرنا - مثلًا - في ظاهرة » ذل المسلم وخضوعه « لم نستطع أن نفهمها ما لم نعد إلى الماضي ، فإذا عدنا رأينا ما يسوِّغ ذلك ، فقد صُب عليه من صنوف التعذيب النفسي والجسدي ، ومن صنوف الإذلال والإهانة وسياسة » اسحق الذبابة بالمطرقة « ما لا يفرز إلا مسلم اليوم !

ذلك باستمرار باسم المصلحة العامة وأمن الأمة والاستقرار العام ! ! لكن لا بد من القول إن انفتاح العالم على بعضه حتى تحول إلى » قرية إعلامية « - كما يقولون - قد جعل فهم الواقع اليوم أكثر تعقيدًا . والسبب أن جزءًا من هذا الواقع هو الذي يمكن مسُّه ، أما الباقي فجذوره وخيوطه ربما كانت خارج أرضي المسلمين كلها ! !

لكن مهما يكن من أمر فإن السنة ترسم لنا المسار العام إن لم تتحفنا بالتفاصيل .

السنة وعلوم المستقبل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت