إن الحديث عن هموم الأمة وعن الإصلاحات الكبرى والشاملة ينبغي أن يظل -إلى حد بعيد- في نطاق الخطاب الصفوي النخبوي. أما الخطاب التبليغي فالأولى به الاهتمام بدلالة الناس - على نحو مفصل ومسهب- على ما عليهم عمله للارتقاء بذواتهم وتحسين كفاءاتهم ومهاراتهم، وما عليهم عمله لتحسين صلتهم بالله - تعالى- وتحسين علاقاتهم بعضهم مع بعض، وكل ما يمكن أن نطلق عليه (الخلاص الشخصي) .
إن المجال الخاص هو مجال التأثير الحقيقي للإنسان العادي؛ ومن المهم أن يتعلم كيف يتحرك في ذلك المجال. إن الناس في حاجة إلى من يعلّمهم كيف يوجهون إدراكهم، ويسيطرون على رغباتهم، ويحافظون على أوقاتهم، ويديرون الموارد والإمكانات المحدودة التي في حوزتهم وينبغي أن يكون هذا من المهام الجوهرية للخطاب التبليغي.
7-الحصيلة اللغوية لدى العامة وأشباههم ضئيلة، وهذا يعني أن جهاز التفكير لديهم سيكون ضعيفًا، كما أن آفاق الفهم والاستدلال تكون لديهم أيضًا محدودة. وهذا يملي على صانعي الخطاب التبليغي العديد من المهمات، أذكر منها الآتي:
أ- إثراء ذلك الخطاب بالتشبيهات والأمثلة الحسية. وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية الكثير من ذلك. إن التشبيه ينقل الإدراك من معالجة أمر معنوي إلى معالجة أمر مادي ملموس. وإدراك المحسوس أسهل بكثير من إدراك المجرد والمعنوي. وكثير من الخطباء اللامعين والمتحدثين المؤثرين صاروا كذلك بسبب وفرة الأمثلة والتشبيهات الحسية التي يستخدمونها.
ب- البعد عن ذكر الشُّبه والمآخذ التي يوردها المخالفون وأعداء الإسلام؛ إذ ما الذي سيستفيده الناس إذا حدثناهم عن شبهة انتشار الإسلام بالسيف أو شبهة الرق في الإسلام... وهم لم يسمعوا بكل ذلك، ولا ينظرون إليه على أنه يثير إشكالية لديهم. إن الخطاب الصفوي هو المجال الحقيقي لتداول هذه القضايا. ونحن حين نثير الشبه أمام الناس نضع الإسلام في موقف دفاعي، هو في غنى عنه
كما أن هناك احتمالًا لأن تعلق الشبهة في أذهان الناس بسبب ضعف الرد المستخدم في تفنيدها. وقد وصف بعض أهل العلم الفخر الرازي في تفسيره بأنه يسوق الشبه نقدًا، ويرد عليها نسيئة.
وقد سمعت من أحد من كَتب حول الشبه أسفه لذلك، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما كتبت ذلك الكتاب. نعم حين يتحدث الناس عن أمر مغلوط في مجالسهم ومسامراتهم، لا يبقى لنا خيار سوى الحديث فيه.
ج- البعد عن الخلافيات والتفريعات الدقيقة والتعليلات المتعمقة شيء أساسي في الخطاب التبليغي. إن العامي لا مذهب له، ومذهبه مذهب مفتيه، وينبغي أن تكون الفتوى على قدر السؤال وعلى قدر الحاجة، وذكر الخلافيات - من غير حاجة- يؤسس لدى العامة لعقلية التساهل؛ لأنهم لا يعرفون موارد الاختلاف وأسبابه الموضوعية. وذكر التفريعات يربك وعيهم، ويتسبب في إدخال الأوهام عليهم.
د- إن بساطة التفكير لدى العامة تجعل الطريق إلى تغيير سلوكهم يمر أساسًا على القلب، وليس على العقل، فلغة المشاعر والأرواح مفهومة لديهم أكثر من لغة المنطق والبراهين. وإن من المهم لكسب عقول الناس أن نكسب قلوبهم. وهذا يتطلب أن يكونوا أثناء مخاطبتهم في وضع نفسي مريح. ولعل مما يساعد على ذلك أن نخفف من مستوى الجدية في كلامنا، وذلك بأن نضفي عليه مسحة خفيفة من الطرفة والدعابة. وقد كان - صلى الله عليه وسلم- كثير التبسم، كما كان يمازح أصحابه، ويقبل ممازحتهم، كما كان يضحك لضحكهم، ويعجب مما يعجبون منه. إن المسلمين مثقلون بأنواع الهموم، وهم في حاجة إلى درجة من التفريج العصبي، وعلينا أن نتيح لهم ذلك. إن الطرفة تُحدِث تواصلًا بين المتحدث وسامعيه أشبه بالتفاعل الكيميائي، وإن عيون الناس حين يضحكون من طرفة سمعوها تلمع بمشاعر الامتنان لمن أضحكهم. كما أن الطرفة تكسر الحاجز النفسي الذي يصنعه موقف الخطيب والواعظ، وهذا ضروري للتأثير في الناس.
إنني أعتقد أن حاجتنا ماسَّة إلى الكثير من البحث والتداول في خصائص الخطاب النخبوي والخطاب التبليغي إذا ما كنا نريد فعلًا للجهود الدعوية والإصلاحية أن تؤتي ثمارها على المستوى المطلوب.
والله ولي التوفيق،
نحن في الساحة الإسلامية بحاجة إلى لونين من الخطاب. خطاب صفوي نخبوي، وخطاب بياني تبليغي. والهدف من تنويع الخطاب هو القيام بمهمتين عظيمتين: الأولى: العمل على تجديد الخطاب الإسلامي وتعميقه والارتقاء به. أما الثانية فهي التمكن من إيصال الرسالة الإسلامية إلى الشرائح المتوسطة والدنيا من المجتمع، على وجه الخصوص. وسوف أترك الحديث عن الخطاب التبليغي إلى مقال تالٍ، وأتحدث اليوم عن سمات الخطاب الصفوي. والذي أعنيه بالخطاب هنا مجمل المفاهيم والتوجهات والأفكار والآراء التي تعبر عن الثوابت والأدبيات التي نرغب في بلورتها وتعميمها من خلال تداولها وسوقها في نسق متميز محكوم بقواعد وآليات منطقية وبيانية معينة.