فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 292

3-الخطاب التبليغي ينقل رسالة، ويحاكم الحياة العامة إلى نموذج إسلامي نقي وسام مستمد من نصوص الكتاب والسنة وحياة السلف الصالح، ومقتبس من الصور الزاهية للنجاحات الإسلامية في كل زمان ومكان. وله دور جوهري وعظيم في بقاء الإسلام حيًّا في النفوس وفي تنمية النزعة نحو التعالي القيمي والأخلاقي لدى المسلمين في أصقاع الأرض، لكن لصعوبة تقدير حجم المسافة التالة التي يجب أن تفصل بين المثال والواقع، وما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فإن الخطاب التبليغي مصاب بالنزوع إلى مثالية مفرطة في قراءة النموذج الإسلامي الذي يمكن لمعظم الناس أن يكيفوا حياتهم معه، كما أنه مصاب بالمثالية الزائدة في قراءة الواقع التاريخي حيث يتم أخذ الناس بالعزيمة، كما يتم تصوير حياة السلف بناء على تتبع سير رجال محدودين لا يشكلون أكثر من 1% من السابقين. وبناء على الإفراط في هذا أو ذاك، فإن لدى كثير من حملة الخطاب التبليغي شعورًا بالمرارة الشديدة من انحراف مسلمي عصرنا وتنكبهم لجادة الاستقامة. وهذا جعل ذلك الخطاب يتشح بوشاح من اليأس والإحباط، وينعكس ذلك باستمرار في صور صارخة من التقريع واللوم والعتب. وهذا مع مخالفته لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم- في الحث على التبشير والبعد عن التنفير؛ فإنه يزرع في نفوس الناس نوعًا من احتقار الذات ونوعًا من الضيق من سماع القائمين على أمور الوعظ والإرشاد.

إن بين تعريف المسلمين بواقعهم وبين تنفيرهم وتيئيسهم هامشًا ضيقًا يجب إدراكه بعناية. وإن التشجيع واللغة اللطيفة والقول الليّن تستخرج أنبل ما في نفوس الناس من معاني الاستجابة والاندفاع للعمل.

4-في ظل موجات اللهو وفي ظل الدفق الثقافي الهائل الذي يتعرض له الجمهور الإسلامي صارت معرفة الناس بأمور دينهم آخذة في التقهقر وصار من المهم بمكان التركيز على (المعرفة الفقهية) ولا سيما الأحكام المتعلقة بالسلوك الشخصي للمسلم. إن الفقه في الدين يشكَّل في كل الأحوال فضيلة من الفضائل الكبرى وبابًا عريضًا من أبواب الخير.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم-:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".

إن من المهم جدًا أن تشكل معرفة الحلال والحرام قاعدة الثقافة لدى الجماهير المسلمة من أجل تأسيس وعي مرتبط بالشريعة الغراء وتأسيس وازع داخلي يوجه سلوك المسلم في سره وعلنه. وإن خطبة الجمعة تشكل فرصة ذهبية لمثل هذا التثقيف. ولو أن الخطيب عرض في الخطبة الثانية حكمًا فقهيًا مما تمس حاجة الناس إليه لأفاد الناس بمعرفة نحو من مئتين وستين مسألة في خمس سنوات وهذا يشكل خلفية فقهية جيدة إذا تم اختيار تلك الأحكام بعناية.

إننا لا ننتبه أحيانًا إلى أن الناس يتقبلون الأحكام الفقهية وكل ما يشكّل معطيات علمية ثابتة أكثر من تقبلهم للوعظ والإرشاد الذي يمنح المتحدث نوعًا من التفوق المباشر عليهم. كما أن الحديث في الأمور الفقهية - بوصفها أمورًا بعيدة عن التقدير الشخصي- يمنح المتحدث مصداقية لدى المستمعين أعلى من المصداقية التي ينالها الوعاظ.

5-اعتدال الخطاب التبليغي شيء جوهري، فعمل الداعية أشبه بعمل الطبيب الذي يرى أن من الضروري أن يطلع المريض على علته، وأن يدله على الترياق، ويفتح أمامه باب الأمل في الشفاء. وهذا في الحقيقة ينطوي على موازنة دقيقة؛ فحين يكون تناول الدواء مزعجًا ومكلفًا فإن الناس يعرضون عنه. وحتى لا يعرضوا عنه فإن عليك أن توضح أهميته بالنسبة إليهم. ولا تستطيع بلوغ ذلك ما لم تبين لهم خطورة الداء الذي لديهم، وحين تفعل ذلك فإنك تعرضهم للشعور باليأس والإحباط؛ وهذا ما يجعلهم يعرضون عن الدواء!.

قد يكون من المفيد في هذا أن نقرن الحديث عن الأزمات بالحديث عن الحلول الممكنة لها، وأن نحاول دائمًا عدم تضخيم الأمور؛ فاللغة بسبب عجزها الظاهر عن تحديد الصفات والكيفيات تغرينا بالمبالغة، إذ يمكن دائمًا أن نصف كثيرًا من الأحداث بأنه نكبة أو كارثة كبرى.

وسيظل بث روح الأمل والاستبشار بالتقدم والازدهار أقرب إلى روح الشريعة الغراء وأعون للناس على النهوض.

6-يحتاج صانعو الخطاب التبليغي إلى إغنائه بالمفاهيم والأفكار التي تدل الناس على دورهم الشخصي في الحياة. في العقود الخمسة الماضية - على الأقل- كان لدينا تركيز مبالغ فيه على المقولات الإصلاحية العامة، حيث كانت هموم الأمة تسيطر علينا سيطرة كبيرة، وكان ذلك ينعكس بصورة مباشرة على خطابنا التبليغي، وصار من المألوف أن يتحدث الخطباء أمام العامة عن انكسارات الأمة وسيطرة الأعداء عليها وسلبهم لخيراتها، كما صار من المألوف المقارنة بين أحوال السلف وما نالوه من المنعة والتمكين وبين أحوالنا وما نحن فيه من ضعف واستلاب. ولم نخرج من ذلك بأي شيء ذي قيمة سوى إشاعة الإحباط وتوفير مادة لجلد الذات!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت