فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 292

1-إن التربية الاجتماعية على أساس هذه الكليات، توفّر لنا الحدّ الأدنى من وحدة الاتجاه، ووحدة المعايير التربوية، فالمسلم مطالب بالمحافظة على تديّنه والتزامه من خلال ممارسة الشعائر. ومطالب أيضًا بالدفاع عنه بالوسائل المشروعة والممكنة وبالمجادلة عن مبادئه وأدبيّاته. وهو في الوقت نفسه مطالب بأن يساعد إخوانه المسلمين على الالتزام من خلال تقديم العون لهم، ومن خلال أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. والمسلم مطالب بالمحافظة على نفسه من خلال توفير أسباب الصحة ودفع الأذى والضّرر عنها. وهو مطالب بالمحافظة على نفوس المسلمين. وعليه أيضًا أن يحافظ على عقول المسلمين وأعراضهم، وأموالهم، كما يحافظ على عقله وعرضه وماله. تصوّر معي أمًا تتحدث في تفاصيل تربوية تتعلق بالجانب العقلي لأبنائها، ماذا كانت تقول؟

ستقول لهم: العقل نعمة كبرى من الله -تعالى- وشكر هذه النعمة يكون في المحافظة عليها واستخدامها على أحسن وجه ممكن. الكذب حرام؛ لأنه يؤذي العقل إذ يمدّه الكاذب بمعلومات خاطئة. والمسكرات، والمخدرات تؤذي العقل؛ لأنها تضعف ارتباطاته السببيّة. التقليد يؤذي العقل؛ لأنه يحرمه من التفتّح ومن التحفيز على إبداع آراء ونظريّات جديدة… إنها تقول هذا في مجال التربية الفردية. فإذا أرادت لمس الجانب الاجتماعي قالت: بيع المسكرات وتهريب المخدرات حرام؛ لأن على المؤمن ألاّ يُلحق الضرر بإخوانه المسلمين، وألاّ يساعدهم على الوقوع في المعاصي. وتقول أيضًا: إن الكذب على الناس ينطوي على نوع من الغشّ والخديعة لهم. وعلى المسلم كما يكره أن يُخدع من قبل الآخرين أن يتجنّب خديعتهم وهكذا..

وتصوّر معي باقي الأمهات في البلدة يتحدثن بهذه المفاهيم أمام صغارهن، ماذا يعني هذا؟

إنه يعني أن المربيات صرن يتحدثن لغة واحدة، وصرن يؤكدن على مفاهيم واحدة. ويعني أيضًا توليد وحدة فكرية وشعورية عظيمة ورائعة، إن العولمة تنشر معاني الأنانية والخلاص الشخصي. أما التربية القائمة على الكليات الخمس فإنها تؤكد للناشئة أن الخلاص إما أن يكون جماعيًا أو لا يكون، وإنّ من غير الممكن للمسلم أن يعيش آمنًا هانئًا في جزيرة يحيط بها الشقاء من كل مكان.

2-إن الترتيب بين الكليات الخمس -كما أشرت إليه- ينطوي على مغزًى تربوي كبير؛ إنه يشكّل خطًا أساسيًا في الرؤية الإسلامية للكثير من جوانب الحياة. إن فداء الدين بالنفوس والأموال يعني الارتباط المطلق بالهدف السامي والنهائي لوجودنا على هذه الأرض، وهو الفوز برضوان الله -تعالى- وفداء النفوس بالأموال يعني التعزيز لمركز الإنسان في الكون، ويعني الرد على الهجمة المادية الحديثة التي تجعل من المال المحور الأساس للحياة، وتجعل من الإنسان أداة لتحقيق المزيد من الثراء لأصحاب الحظوة والنفوذ.

نحن حتى نتمكن من جعل (الكليات الخمس محاور للتربية الاجتماعية، نحتاج إلى صبّها في قوالب تربوية حديثة وإغنائها بالتفاصيل والمعاني الجزئية. وهذا يحتاج إلى بحث معمّق وجهد تربوي متميز. لكنّ شيئًا من هذا لن يحدث إذا ما ظلّت الدونيّة تسيطر على نظرتنا لكل هو اجتماعي وعام.

إننا إذا أدركنا أن التقدّم الحقيقي هو في جوهره تقدم روحي واجتماعي أكثر من أن يكون تقدمًا عمرانيًا، فإننا سنبذل الكثير في سبيل الارتقاء بالمفاهيم التربويّة، وسيتغير بذلك الكثير من الأشياء

شيئان جوهريّان يسيطران على تفكيري وتأمّلي، هما التوازن والتكامل.

التكامل يعني: القبض على رؤية عميقة وشاملة لكل الأشياء التي يجب أن نراها، وبالطريقة التي يجب أن تُرى بها تلك الأشياء. أما التوازن فيعني إعطاء جوانب الحياة وجوانب الشخصية على -وجه الخصوص- حقها من الرعاية والتنمية والاهتمام من غير إفراط في جانب على حساب جانب آخر. وربما أمكننا القول: إن امتلاكنا لرؤية حسنة لنوعية التكامل المطلوب هي التي تتحكم في نهاية الأمر بشكل التوازن الذي نسعى إليه. كما أن من الممكن القول: إن عناصر الصورة الذهنية عن (التكامل) قد تختلف من شخص إلى آخر. وقد ينحو بعضها نحو التغيّر، كما ينحو بعضها الآخر نحو الثبات، في الدائرة الإسلامية نمط من الناس يُتّهم بصفاء روحه ونقاء نفسه، ومستوى تعبده -على مقدار خبرته- جيد، ولديه طيبة، تتصل في بعض الأحيان بطرف من الغفلة التي تصل إلى حد السذاجة، وكثير من هؤلاء - إن لم نقل أكثرهم- يأخذون عن عابد أو جماعة تقاليد وطرقًا في التعبد، ويحفظون عن ظهر قلب مقولات، يسيرون في ظلال دلالاتها وكأنها مفردات دستور، لا يمكن إدخال أي تعديل على أية مادة من مواده.

ومشكلتهم أنهم كثيرًا ما يفقدون التوازن، ونصاب الحد الأدنى من التوزيع لاهتماماتهم وأنشطتهم. وينظرون إلى الأقوال المأثورة عن شيوخهم وأسلافهم على أنها أدوات لفهم كل الأوضاع والتعامل مع تحديات كل القصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت