والأمر يتجاوز هذا كله فنحن إلى هذه اللحظة نعتمد على الآخرين في طباعة المصاحف وتشييد المآذن؛ إذ لا نصنع آلات الطباعة ولا الرافعات المستخدمة في البناء. العالم الإسلامي لديه زيادة سكانية عالية، وملايين الشباب بل عشرات الملايين، يبحثون اليوم عن أي فرصة للعمل، فلا يجدون، والحل لن يكون في المشروعات السياحية التي يتهافت عليها رجال الأعمال اليوم، ولا في الزراعة أو في المواد الخام، وإنما هي التقنية والصناعة. وتتبوأ الصناعات المعدنية اليوم قمة الهرم بين الصناعات المختلفة، وتُعدّ مقياسًا رئيسًا للتقدم الاقتصادي والصناعي لدى الدول، وقد أثبتت بعض الدراسات المسحية التي قامت بها معاهد متخصصة أن كل مكان عمل في صناعة الحديد والصلب وصناعة المعادن غير الحديدية -يوفر ثمانية أماكن عمل جديدة في صناعات لم تكن لتوجد لولا أن هذه الصناعة تمدها باحتياجاتها من المعادن. وأنا لا أدري مَن سأخاطب بكلامي حول النهضة الصناعية؛ إذ إن معظم قرائي من الشباب الذين لا يملكون قرارات التحوّل الاقتصادي، ومن ثم فإني سأشير إلى أمرين، يمكن أن يثيرا اهتمام الشباب:
الأول: إن التقنية التي تناسب العالم الإسلامي ليست التقنية المتطورة جدًا، ولا الموافقة لأرقى المواصفات العالمية، ولا المصانع المجهزة بأحدث الآلات، وذلك لأن الأيدي العاملة لدينا وفيرة، ونحتاج إلى الكثير من فرص العمل، والمصانع المتقدمة جدًا عالية (الأتمتة) ، ولهذا فإنها تحتاج إلى القليل من الأيدي العاملة، وهي باهظة الأثمان، وصيانتها معقدة، وقطع غيارها عالية التكلفة. نحن لدينا القليل من المال والكثير من الأيدي، كما أننا نحتاج إلى مصانع أقل تعقيدًا حتى يتدرب شبابنا على صيانتها، ومن هنا قامت دعوات في البلدان النامية إلى استخدام التقنية المناسبة، وهي قد تقتضي استيراد معدات مستعملة وإنشاء ورش جيدة لصيانتها، كما تقتضي ضغطًا كبيرًا للإنفاق على أشكال المباني وأثاثها والسيارات المستخدمة، وجعلها أقل جودة وأناقة، أضف إلى هذا القيام بإنتاج سلع غير ذات جودة عالية؛ لأن الجودة العالية تحتاج إلى مال أكثر وتقنية أعلى... والهدف من كل هذا تشجيع الشباب على إنشاء بعض المشروعات الصناعية ذات الكلفة المنخفضة من أجل وضع بلادنا على طريق التصنيع ومساعدة الأفواه الجائعة على أن تجد شيئًا تأكله. إن كثيرًا من الشباب يعزفون عن استخدم الآلات المستعملة بسبب نقص المعلومات والخوف من التورّط في شراء معدات تالفة، وهنا يبرز دور الدولة ودور مجالس تطوير الصناعة؛ إذ إن بإمكانها توفير معلومات جيدة عن نوعيات المعدات المستعملة وعن صيانتها، والبلاد التي يمكن استيراد أصناف معينة منها، ويمكن للدولة كذلك أن تجعل سوق الآلات المستعملة أكثر حيوية وتنظيمًا. لابد من اعتماد عقلية (البداية المتواضعة) ثم التطوير المستمر من أجل توطين التقنية، وإن كل الدول الصناعية والدول التي تسير في طريق النمو الصناعي بدأت بدايات متواضعة، ثم تحسّن مستواها شيئًا فشيئًا.
الثاني: هو المشروعات الصغيرة التي يمكن أن يقوم بها الشباب، ودورنا نحن الكبار أن ننشئ الأطر والمؤسسات التي توفر أكبر قدر ممكن من المعلومات والاستشارات عن المشروعات الصغيرة وتوفير الصناديق والمؤسسات المالية التي يمكنها مشاركة الشباب في مشروعاتهم أو تقديم القروض اللاربوية لهم، وعلينا أن نعترف أننا لم نبذل أي جهد في هذه السبيل! وعلى الشباب أن يتعلموا فضيلة الادخار من أجل الاستثمار، وعلى الأسر أن تنمي هذا المعنى في نفوس صغارها، وقد ذكر ابن الأثير في النهاية أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سأل أحد أفراد رعيته عن حال الناس في الإقليم الذي جاء منه، فحدّثه عن جزالة عطاء الوالي لهم، حتى إن الواحد منهم يصرف المال فيما ينبغي، و لا ينبغي؛ وكان توجيه عمر لهم:"فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء، ابتاع منه غنمًا، فجعلها بسوادهم، فإذا خرج عطاؤه الثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعلهما فيه، فإني أخاف عليكم أن يليكم بعدُ ولاةٌ، لا يُعدّ العطاء في زمانهم مالًا. فإن بقي أحد منهم أو أحد من ولده، كان لهم شيء قد اعتقدوه، فيتكئون عليه، فإن نصيحتي لك وأنت عندي جالس، نصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور المسلمين".
ألا ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أجدرنا بأن ننتفع بكلام أعظم رجل إستراتيجية في الإسلام
د. عبد الكريم بكار 26/9/1427
في البنية العقلية العميقة لبني الإنسان أمور غير مواتية. ونظرًا لعدم وجود وعي بها فإننا نستجيب لها، ومن خلال تلك الاستجابة نحصل على الكثير من النتائج السيئة. ومن ذلك -على سبيل المثال- الميل إلى رؤية السلبيات والعزوف عن رؤية الإيجابيات. وكأن هذا نابع من الرغبة الدفينة في النقد، أو هو نابع من عجز بنيوي في رؤية الأشياء الجيدة. ومهما يكن السبب، فإنه قد ترتّب على هذه الوضعية المختلة خلل آخر على مستوى المعالجة. وهذه بعض الأمثلة التوضيحيّة: