3-الوضوح شيء أساسي في مسألة خفض التوفر وتوفير الاستقرار والازدهار؛ والحقيقة أن الغموض والالتباس يشكل قاسمًا مشتركًا بين جميع الدول النامية والتي تتطلع إلى النمو، هناك غموض في مفاهيم أساسية مثل: الالتزام والحرية والوطنية والانتماء والكرامة والتضحية والتعاون.. وهناك إلى جانب هذا قوانين كثيرة مكتوبة لكنها غير مطبقة، بل إلى جانبها قوانين عرفية، يُعمل بها على نطاق واسع... ومنها فإن المطلوب أكبر قدر ممكن من الوضوح في كل شيء، متى يتبين الصالح من الفاسد والمحسن من المسيء. إن الغموض الذي نعاني يكون في بعض الأحيان أحد نواتج التخلف، ويكون في أحيان أخرى مقصودًا حتى يتمكن أصحاب القوة الغاشمة والأطماع غير المحدودة من التحرك بحرية تامة، وهذا يوغر الصدور، ويوهن اللحمة الاجتماعية، ويجعل اغتصاب الحقوق أمرًا ميسورًا.
4-إن الناس يصبرون على القلة، ويكنّون كل مشاعر الولاء لأوطانهم مهما كانت مواردها شحيحة، وظروفها صعبة، لكنهم لا يرضون عن الفساد المتعمد، ولا يهنأ لهم عيش وهم يرون الظلم الفادح والعدوان السافر على الحرمات والحقوق؛ ومن المؤسف جدًا أن تقارير منظمة الشفافية الدولية تضع كثيرًا من الدول العربية والإسلامية بين الدول الأكثر فسادًا على حين أنها تضع أساتذة الجشع في العالم (اليهود) وعباد البقر في الهند في مرتبة أفضل بكثير، وهذه الوضعية فحجلة، وتكشف عن قصور هائل في الاستقامة الخلقية، وفي النزاهة والضبط الإداري، ولهذا فإن مكافحة الفساد وتضييق موارده وسالكه عن طريق حرية الصحافة واستقلالية القضاء واختيار أهل الصلاح للمناصب العليا، تشكل عوامل مهمة على طريق تخفيف التوتر داخل المجتمعات الإسلامية، حيث لا يحدث الحراك الاقتصادي، ولا الأمن الاجتماعي في بلد تضيع فيه حقوق أقوام جهارًا ونهارًا، ويأخذ فيه أقوام ما ليس لهم من غير خوف من أحد؛ وقد قال -عليه الصلاة والسلام-:"إنه لا قُدِّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقّه غير متعتع". (حديث صحيح أخرجه ابن ماجة) .
5-نحن نخشى من النقد ظنًا منا أنه يثير الفتن والقائل، وهذا صحيح في ظل عدم وجود نظم واضحة لمحاسبة المفترين ومدمني القذف والغمز واللمز، لكن حين يكون هناك نظام لمحاسبة المتحدث عن حديثه في إطار الأحكام الشرعية والأعراف الصحفية والإعلامية المعتبرة، فإن النقد لا يأتي بالفتن، وإنما يُصبح سيفًا مسلطًا فوق رؤوس الفاسدين والمرتشين والمجرمين؛ وإن كثيرًا من استقامة الحياة المالية والإدارية في الدول المتقدمة مدين لحرية التعبير وحرية الصحافة مع ما يصاحب ذلك من مشكلات لا تخفى إن الناس يخافون من الفضيحة، ويجب أن يظل الشعور من التلوث بها شيئًا حاضرًا في أذهانهم، وإلا فإن الذي سنشاهده سيكون قريبًا مما تعاني منه شرائح واسعة من مجتمعات العالم؛ والله المستعان في كل حال.
صياغة القوة (8)
د.عبدالكريم بكار 11/11/1427
يخاطر كثير من الكتّاب والدعاة المسلمين بما تملكه الأمة من مواد خام وثروات وموارد طبيعية، وينظرون إليها على أنها من مكامن القوة الكبرى لدينا؛ وهذا الكلام حق، وإن كان لا يخلو من المبالغة، و وجه المبالغة فيه أنه يتجاهل بعض الحقائق المؤثرة في هذا الشأن، ومن تلك الحقائق تراجع دور المواد الخام في ثراء الأمم بسبب البدائل التي تأتي بها التقنية المتقدمة، وبسبب تعرّض تلك الثروات للنفاد عبر عقود محدودة، وتُقدّم (إندونيسيا مثالًا واضحًا في هذا السياق حيث أدّى ازدياد حاجتها إلى(النفط) وتراجع إنتاجها إلى إيقاف تصديرها لهذه المادة المهمة.
ومن تلك الحقائق ذلك العجز الظاهر لدى معظم الدول الإسلامية عن استغلال المواد الخام التي حباها الله -تعالى- بها فهي بسبب تخلفها الصناعي، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الدول المتقدمة في استخراج المواد الخام التي لديها وفي تصنيعها واستثمارها على الوجه الأمثل، وهذا يجعلنا نتحدث في هذا المقال عن الصناعة وأهميتها في قوة الأمة. والحقيقة أن مسألة التخلف الصناعي مسألة بالغة الحساسية للإنسان المسلم؛ إذ إنه ينظر حوله فيجد أن كل أو معظم ما بين يديه من مصنوعات هو من إنتاج أولئك الذين كانوا يستعمرونه في يوم من الأيام، أو من نتاج شعوب ودول له إشكالية معينة معها، وقد صار يشعر بالضآلة والعجز، بل وصل به الحال إلى اتهام نفسه بالغباء أو الإعاقة العقلية؛ لأنه لا يجد أي تفسير للحالة المزرية التي تعيش فيها الدول والشعوب الإسلامية، أليس من المؤسف ألاّ يكون لدينا إلى هذا اليوم سيارة عربية خالصة مع أن العرب يملكون العقول والأموال والأيدي العاملة، ومع أن دولًا صغيرة نسبيًا مثل كوريا تصنع اليوم العديد من أنواع السيارات إلى جانب عشرات الآلاف من أنواع المعدات والآلات المختلفة؟!