فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 292

د - شيء آخر سيِّئ واسع الانتشار في بعض المجتمعات الإسلامية، هو الإسراف في (التصنيف) ؛ فهذا الكاتب سلفي، وذاك صوفي، والثالث إخواني، والرابع تحريري، والخامس موالي للسلطة، والسادس متعاطف مع هؤلاء أو أولئك... ويفعلون مثل هذا مع أئمة المساجد والخطباء وأبناء الجماعات والعاملين في المؤسسات والمنظمات الخيرية والدعوية... والمشكل هنا أن كل أبناء جماعة يكوِّنون صورة ذهنية سلبية عن الجماعة المنافسة، وحين يريدون تشويه صورة أي إنسان، فيكفي أن يقولوا: إنه من جماعة كذا، وبعدها يفسِّر كل كلامه وكل تحركاته على ذلك الانتماء المزعوم! والمتربصون بكل أبناء الدعوات يصبون الزيت على النار، ويساعدون كل جماعة على تشويه سمعة الجماعات الأخرى، حتى لا يبقى في الساحة الإسلامية مرجعية موثوقة، ولا يبقى داعية، يمكن أن يقود أعمالًا إصلاحية كبرى. هناك أشخاص كانوا ينتمون في يوم من الأيام إلى جماعة من الجماعات، ومنذ عشرين سنة اختلفوا معها، وتركوها. وهناك أشخاص مازال على علاقة مع بعض الجماعات، لكن علاقاتهم شكلية، وهم على خلاف واسع مع جماعاتهم، أضف إلى هذا أن بعض الجماعات الإسلامية الكبرى تشتمل على مدارس وتيارات، وبينها العديد من التباينات على المستوى التنظيري وعلى مستوى الحركة والممارسة؛ وليس من الصواب تجاهل ذلك. حاسبوا الناس على أقوالهم وأعمالهم ومواقفهم، وليس على انتماءاتهم، فذلك أقرب للموضوعية وأقرب للتقوى، وأنفع للجميع.

هـ- نحن بشر، ونفوسنا ليست زكية بالقدر الكافي، لذلك فقد يحسد بعضنا بعضًا، وقد نحمل على بعضنا بعض الرواسب القديمة، وبعض الأحقاد، وقد نتحسس من بعض الأمور التي لا تستحق التحسس، وقد نسيء فهم بعض العبارات، وتفسير بعض التصرفات كما أن وعينا بالمناهج الدعوية التي تميزنا عن بعضنا ليس كاملًا؛ وهذا كله يؤدي إلى الجفاء والقطيعة والفرقة، والمطلوب أن نعترف بوجود كل ذلك، وألا نُلبس تضارب المصالح والمنافسة على مناطق النفوذ ثوب الخلاف المنهجي، و ألا نبالغ في الأمر، فنجعل زلة المنافس عبارة عن نكبة تحيق بالإسلام وأهله.

و- حتى نخفف التوتر، فنحن في حاجة إلى أن نعمق لدى الأتباع ثقافية التعاذر والتسامح والفهم المتبادل، ولنعلم أن مناهجنا مهما تباينت فلن تجد أحدًا من خارج ساحة الصحوة أقرب إلينا من بعضنا لبعض، ولهذا فلنتق الله في الأمانة المنوطة بنا، وفي أعراض المسلمين، ولنكن دائمًا ممن يجمع، ولا يفرِّق، ويقرِّب، ولا يباعد ويهدِّئ ولا يثير، فذاك خير وأبقى

صياغة القوة (7)

د. عبد الكريم بكار 29/10/1427

تحدثت في المقال السابق عن بعض الأمور التي تثير التوتر داخل التجمعات الإسلامية، وسأركز الحديث اليوم عن بعض ما يثير التوتر في الساحات الإسلامية عامة، وعن بعض ما يمكن أن تساعد على خفض ذلك التوتر. وأود أن أقول في البداية إن تاريخنا الإسلامي مملوء بالتوترات والثورات والمناوءات الخطيرة، ولم يكن ذلك من غر أسباب ومقدمات، ولاشك في أن الوضع الآن أفضل، لكننا نعيش في زمان يتطلب التقدم فيه درجة عالية من الأمن والسلام والاطمئنان والتواؤم والنظام، وهذه لا تتوفر من غير إصلاح كثير من الأمور, ومعالجة الكثير من المشكلات حين نتحدث عن الضروريات والحياة على أي وجهٍ كان، فإن ما يطلب من شروط يسيرٌ ومحدود ما دامت البهائم تجد سبيلًا للعيش، لكن حين نتحدث عن أمة عزيزة منيعة وحياة هانئة مزدهرة ومسلم ناجح مبدع مؤثّر، فإن ما نحتاج إليه من الشروط والأوضاع والأسباب سيكون شيئًا كبيرًا، وهذا هو الذي يحملني على الاستمرار في الكتابة وعلى الاستمرار في محاولة بلورة المفاهيم الحياتية المختلفة. ولعلي ألمس في هذا السياق المعاني الآتية:

1-إن اجتماع الناس بعضهم مع بعض يشكل مصدرًا كبيرًا للمؤانسة والأمان والتعلم.. لكنه في الوقت نفسه، مصدر للتوتر والنزاع والصدام، وما ذلك إلا بسبب ما بين العباد من الاختلاف في العقول الأمزجة والأهواء والرؤى والعادات والانتماءات والمصالح.. وبهذا يكون الإنسان هو أكثر من يُسعد أخاه الإنسان، وأكثر من يخيفه ويزعجه. وإذا صح هذا -وهو صحيح إن شاء الله- فإنه يتطلب أن نعمل بجد على توفير أرضية عريضة للتفاهم والمفاتحة، وأرضية عريضة للعدل والنزاهة والشفافية وإحقاق الحق ومقاومة الباطل.

2-إذا أردنا أن نحافظ على قوة مجتمعاتنا، وان نصوغها صياغة جديدة فلابد من أن نؤسس في تربيتنا وفي تعليمنا وفي علاقاتنا الاجتماعية لما يمكن أن نسميه (السلوك الأنيق) وهو السلوك الذي يملك صاحبه درجة عالية من رهافة الإحساس نحو الذين يحتك بهم، إنه يحسب حساب الكلمة والإشارة والموقف.. ويحاول أن يكون دائمًا في موقع المعطي والمحسن والمسامح والمتغاضي.. إنه يتنازل عن بعض حقوقه، ويمارس شيئًا من الضغط على نفسه في سبيل توفير شيء من الراحة والأمان لأولئك الذين يختلط بهم، ويعاملهم والنصوص الكريمة التي تشير إلى هذا المعنى كثيرة ومعروفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت