فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 292

4-المرحلة التي تسبق ولادة المجتمع الجدير بلقب (إسلامي) هي المرحلة التي يولد فيها ذلك العدد الضخم من المؤسسات ذات النفع العام، وأهم تلك المؤسسات على الإطلاق تلك المؤسسات التي تساعد الإنسان المسلم على الارتقاء بروحه وفكره وثقافته، وهي مؤسسات محدودة جدًا في معظم المجتمعات الإسلامية، ونحن في الحقيقة نتشوف إلى رؤية مؤسسات قوية تهتم بإنعاش الجانب الروحي والخلقي في حياتنا؛ لأن هذا الجانب هو أكثر جوانب الحياة تضررًا من عمليات العولمة، كما أننا نطمح إلى رؤية المشروعات الوطنية العملاقة التي تحفز الناس على القراءة والبحث وتكوين النظرة العلمية للحياة والأحياء. ونحن كذلك في حاجة إلى إقامة المؤسسات التي تساعد الأسر الإسلامية على حل مشكلاتها التربوية المتصاعدة. ولست أريد أن أعدد هنا ما نحن في حاجة إليه من المنظمات والجمعيات الخيرية، لكن أود أن أؤكد على أن المسلمين في أمس الحاجة إلى أن يكونوا في وضعية، يكون انتماء الواحد منهم إلى ثلاث أو أربع مؤسسات ومنظمات خيرية هو القاعدة، وهو الأصل والمألوف، كما يكون وجود أفراد غير منتمين إلى أي منها هو الشيء الشاذ والغريب وغير المفهوم... وهذا يتطلب من الدول أن تحفز الناس، وتساعدهم على المساهمة في الارتقاء بالشأن العام، مع الاحتفاظ بحقها في الإشراف والرقابة والتنظيم، ولن ترى مثل هذه الأمنية النور إذا لم يكن لدينا عدد من الرواد الذين يعملون في الظروف الصعبة، ويفتحون الأبواب المغلقة، ويرسمون للناس ملامح الوضعية التي يجب أن يصيروا إليها، وأعتقد أن كثيرين منا يستطيعون أن يكونوا من أولئك الرهط العظيم والمنقِذ، لكن بشرط امتلاك شيء من التفتح الذهني والكفِّ عن احتقار الذات. والله الموفق.

صياغة القوة 6

د. عبد الكريم بكار 12/10/1427

إن جزءًا مهمًا من صياغة قوة الأمة يتعلق بتقليل الهدر من الطاقة المتوفرة الآن، والحقيقة أن أمة الإسلام وعلى مدار تاريخها الطويل كانت تبدي نوعًا من الارتباك حيال منع الانقسام الثقافي والاجتماعي الذي ينتج عن أي حركة حرة في أي مجتمع؛ وقد كان الإخفاق في تخفيف التوتر الاجتماعي يؤدي إلى الاقتتال الداخلي والاحتراب الأهلي في بعض الأحيان، أما في أكثر الأحيان فإن هناك نوعًا من الحرب الباردة التي لا تكاد تتوقف على العديد من الأصعدة، وهذه بعض الملاحظات السريعة في هذا الشأن.

1-كثير من الأوقات والجهود يضيع هباء على مستوى أبناء الدعوة والصحوة بسبب الانشغال بأخطاء الآخرين، وتفنيد مقولاتهم، ومحاصرة نفوذهم، والكل يدّعي أنه من خلال جهوده، يحافظ على نقاء الإسلام وسلامة الوجهة العامة للدعوة... ونحن لا نحاسب الناس على نواياهم، ونعتقد أن معظم من ينشغل بالرد على إخوانه مخلص في مساعيه، ولا تنقصه الغيرة، لكن المشكل يكمن في منهج التعامل مع تعددية الرؤية والاختلاف الثقافة والبيئة والخلفية.

إن أبناء الصحوة الإسلامية في أي مجتمع مسلم باتوا يشكِّلون تيارًا عريضًا للغاية، وصار لديهم بنى اقتصادية وتعليمية لا بأس بها، لكن تأثيرهم في نهوض مجتمعاتهم، لا يزال محدودًا وشيء من ذلك يعود إلى فرقتهم المنهجية والثقافية، وإلى المكايدات والمناكفات التي تجري بينهم، وإلى استغلال الخصوم لكل ذلك وتوظيفه في تشويه صورتهم وتفريق الناس عنهم وأعتقد أننا على هذا الصعيد في حاجة إلى أن نتشرب المفاهيم التالية:

أ - علينا أن نعترف بأننا نعيش حالة من الصدام بين أبناء الدعوات والحركات والتيارات الإسلامية، وأن هذه الحالة لا يمكن التخلص منها على نحو كامل، لكن يمكن أن نخفف الكثير من لأوائها وشرورها.

ب- الخلاف في وجهات النظر ليس شيئًا مقبولًا فحسب، لكنه شيء مطلوب، لأننا حين نحصل على خمسة حلول لمشكلة من المشكلات نكون قد ملكنا خيارات أكثر لمعالجتها، كما أن اختلاف الدعاة في تقويم الواقع وتشخيص العلل ووصف العلاج، يشبه عمل الأطباء، كما يشبه عمل الفقهاء، وكما أن من غير الممكن جمع هؤلاء وأولئك على رأي واحد في كثير من الحالات والمسائل، فإن من غير الممكن كذلك جعل المصلحين والدعاة والجماعات الإسلامية، يتفقون على رؤية واحدة لأوضاع الأمة، وعلى رأي واحد لأفضل الطرق لتحسينها.

جـ- إن أسوأ ما يمكن أن يجعل الاختلاف بين أهل الخير -ظالمًا وغير موضوعي- هو اتهام النيات، ومحاسبة الناس على مقاصدهم وخفاياهم. إن الله -سبحانه وتعالى- وحده هو الذي يعرف نوايا العباد ودوافعهم، وحين ندعي ذلك نكون قد تجاوزنا حدودنا إلى البغي والعدوان. ومن المؤسف أن كثيرًا من مجالس أبناء الدعوات، لا يكاد يخلو من اتهام الشيخ الفلاني أو الجماعة الفلانية بالوقوع في محظور، أو فعل ما لا يليق دون أن يكون هناك أي دليل أو برهان أو مستند! وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على نقص في الديانة وقلة في الورع، وعلى الذين يفعلون ذلك أن يتذكروا أن الله -تعالى- سيسألهم عن ذلك وعن الآثار السيئة وأحيانًا المدمرة -التي ترتبت على طعنهم في بعض الرموز والعاملين في الدعوة-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت