الثاني: قياس آراء النظرية من خلال الواقع الذي أفرزته التجربة الطويلة ، لمعرفة مكامن الخلل ومواضع الداء في النظرية والتطبيق . ومع أن (برجنيف) كان يقول: إذا لم نستطع كشف الأخطاء قتلتنا ، فإن سدنة الأحزاب الشيوعية بدءًا بقائل هذه الحكمة لم يستطيعوا الكشف عن أي خطأ ذي شأن فضلًا عن القدرة على الإصلاح . وكان الشغل الشاغل هو التبرير والدفاع والثناء بالجملة على الوضع القائم .
وفى عالمنا الإسلامي اليوم الكثير الكثير من الأخطاء وأصناف القصور على المستويات كافة . ووجود الأخطاء أمر طبيعي ؛ ذلك لأن حركة الزمن تدع الكثير من الجديد باليًا ، وتوجب استمرار الاجتهاد والتكييف بين المبدأ والمصلحة ، وبين الوسائل والغايات ، وبين الأساليب والأهداف . وخلال عمليات التكييف هذه تحصل مفارقات تحسب للأمة تارة وعليها تارة أخر ى .
والأمة الحية اليقظة لا تكف أبدًا عن عمليات المراجعة وقياس أداء المناهج والأساليب والأصول ، كما لا تمل من بحث المعوقات وطرح الحلول لها .
وإذا كان الآخرون يحتاجون إلى نوعين من المراجعة فإننا بحمد الله نسير في طريق لاحبة رسمها الأصفياء الأولون من رسل الله وأوليائه ، ومن ثم فإننا بحاجة إلى نوع واحد منها ، وهو التأكد من موافقة خطانا لروح الشريعة الغراء ونصوصها ومدى توفر الشروط النفسية والاجتماعية التي يجب توفرها في حياة خير أمة أخرجت للناس .
وتتشخص هذه المراجعة في المفردات التالية:
1 -امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء وأنواع التقصير في مسيرتنا الحياتية .
2 -التفريق الدقيق بين الأمراض وأعراضها حتى لا نعالج مظاهر المرض وأعراضه ونترك حقيقته ، فيكون العلاج مؤقتًا .
3-البحث في البنى التحتية لتلك الأخطاء للوقوف على عللها الأولى وأسبابها الحقيقية اهتداء بقوله تعالى: { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ } [العنكبوت: 20]
4-التغيير في برامجنا وأساليبنا بما يتناسب مع نتائج تلك المراجعات .
5-وضع صمام الأمان الذي يحول دون تكرار الوقوع في تلك الأخطاء .
6-غرس روح تحمل المسؤولية في أفراد الأمة والتربية على الشجاعة الأدبية الباعثة على محاصرة الخطأ والنقد البناء ، وتنمية روح المبادرة الفردية لديهم .
وإذا فعلنا هذا فإنا نكون قد ضمنّا استمرار الثقة بأصولنا الاعتقادية والفكرية ، وأوينا إلى ركن شديد يعصمنا من الأعاصير العاتية والانهيارات المدمرة .
وليس هذا على وارثة تراث الأنبياء والمكلفة بتبليغ الكلمة الأخيرة بعزيز .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
يشكل انهيار العلاقات الاجتماعية إحدى أهم المشكلات التي تعانى منها المجتمعات الحديثة حيث نما الشعور بالفردية والتوحد ، وحُكمت المصالح الخاصة في كثير من شئون الحياة ، وقد أصاب أمة الإسلام شيء من ذلك ، فاضمحلت ضوابط التربية الاجتماعية التي تشكل الحس الجماعي لدى الفرد المسلم مما أشاع الفوضى الفكرية والاجتماعية ، وضخم مشاكل المسلمين الاقتصادية لأن عمليات التنمية لا تتم على ما ينبغي في مجتمع واهي الروابط مختلف الأفكار والمفاهيم .
ومن هنا شددت تعاليم الإسلام على ضرورة المحافظة على العلاقات الاجتماعية وإقامتها باستمرار على هدي الرسالة الخاتمة التي تعد استمرارًا لدعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وتحقيقًا لذلك التواصل قصَّ الله تعالى علينا أخبار الأمم السابقة والعواقب الوخيمة التي انتهوا إليها حين شاعت فيهم الانحرافات والمخالفات دون أن يرفع أحد منهم رأسًا أو يقول كلمة لأولئك الذين يستعجلون أيام الله لأنفسهم ولأممهم فقال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78-79] .
فقد أجرم القوم مرتين: مرة حين وقعوا في الآثام ، وأخرى حين تركوا المعاصي تشيع فيهم دون أن تسود فيهم روح التناهي عنها .
وقد جاء في الحديث ما يفسر تدرجهم نحو الحال التي استوجبت لهم اللعن ، فقد روى ابن مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: » إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. } « [1]