فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 292

هذا معقول ، وفريق يقول: هذا غير معقول .

وهكذا فقد ظُلم العقل مرتين مرة من قِبَل المشعوذين والمخرِّفين الذين ألغوا دور العقل ، ومرة من قِبَل الذين حرموا نعمة الهداية بأنوار الوحي ، فألهوا العقل ، وطلبوا منه أمورًا ليس من شأنه الاشتغال بها .

والله ولي التوفيق .

المتأمل في مداولاتنا الفكرية في وسائل الإعلام ، وفي مجالس السمر ، وفي كل مكان يجد أن ما نردده اليوم من شكوى حول سوء أوضاعنا ، وما نطرحه من حلول هو عين ما ردده أسلافنا قبل أكثر من قرن من الآن . وإذا شئت أن تستوثق من ذلك ، فارجع إلى مداولات المؤتمر الإسلامي الوهمي الذي صوره لنا الكواكبي في كتابه ( أم القرى ) . ونحن إلى الآن غارقون في طرح المشروعات الحضارية التي نعتقد أنها ستخرج الأمة من مشكلاتها المتأسنة . وأملي أن نكف عن ذلك مؤقتًا ؛ فقد حصل لدى الناس تشبُّع من الحلول والمقترحات النهضوية ، وقد وصلوا إلى حافة اليأس والإحباط !

دعونا الآن نخطو في اتجاه طرح الأسئلة حول الحلول التي قدمت: لماذا نملك قدرًا هائلًا من المشروعات والمقترحات والحلول لكل أدوائنا ، ونملك مع ذلك أضعف نتائج على الصعيد العملي ؟ !

قد يكون من المفيد أن نعقد لكل مشكلة كبرى جلسات لعصف الأفكار ، لا تُقدَّم فيها الحلول ، ولكن تثار فيها التساؤلات ، ونتداول فيها التعليلات بغية فهم أعمق لطبيعة المشكلات والأزمات التي تعاني منها الأمة . لا ريب أن طرح الأسئلة فن كبير ، وما يحتاجه من ثاقب النظر وواسع الخبرة لا يقل بحال عما يحتاجه تقديم الأجوبة والحلول . وليس من باب التشاؤم القول: إننا لا نملك الأدوات الفكرية والمعرفية التي تمكننا من طرح أسئلة عميقة ومعقدة . ونحن إذ ندعو إلى تكثيف طرح الأسئلة نأمل أن نرتقي في هذا المجال الحي ، ونمتلك عتاده المطلوب . إننا من وراء طرح مزيد من الأسئلة لا نطمع في قطع دابر الخلاف حول تحديد جوهر مشكلاتنا أو تحديد أكثرها خطورة ؛ فذاك أمر قد يكون عسير المنال في المدى المنظور ؛ لكن الذي نطمح إليه هو إيجاد أسس متينة للخلاف وبناء معقوليات وأطر تتحرك داخلها أقوال المتحاورين والمنظرين والمشخصين ؛ مما يضيق بدوره دائرة الخلاف ، ويقرب بين الأقوال المتباينة .

في جلسات عصف الأفكار يطرح كل واحد من المشاركين ما شاء من أسئلة وتعليلات دون أن ينقده أو يرد عليه أحد . ويقوم أحد المشاركين بتلخيص كل ما قيل وتوزيعه على الحاضرين ، وفي جلسة تالية يتم القيام بمناقشة حصيلة الجلسة السابقة وغربلة ما قيل فيها من أجل تحديد الأسئلة والتعليلات الأكثر محورية ، وتلك التي لاقت استحسان معظم المشاركين ، واستبعاد غير الجوهري . وإذا تم التحضير الجيد للموضوعات التي سيتم التساؤل حولها ؛ فإن ما يمكن أن نحصل عليه قد يكون أكبر بكثير مما نظن .

لماذا لا نتساءل ؟

طالما حدثت نفسي عن الأسباب التي تجعل شهيتنا للتساؤل ضعيفة ؛ مما أدى إلى تراكم المشكلات وضعف خبرتنا العامة في التحليل والوقوف على العلل الخفية التي دفعت بالأمة إلى الوضعية التي تعاني منها الآن ، وقد بدا لي أن ذلك يعود إلى عدد من الأسباب ، أذكر منها:

1 -سيطرة الموروثات والتقاليد الشعبية على مداخل التفكير لدى معظم الناس ؛ وتلك الموروثات تنظر إلى الإكثار من طرح الأسئلة على أنه دليل الجهل وقلة الخبرة . كما أن المبادرة إلى الإجابة على أي سؤال يُطرح تعطي انطباعًا معاكسًا ؛ ولذا فإن من الملاحظ أنه حين يطرح سؤال يتعلق بالصحة مثلًا وفي المجلس طبيب فإن أكثر من شخص يجيب قبل أن يتمكن الطبيب من إبداء رأيه !

وهذه الوضعية ذاتها تشجع الناس أيضًا على أن يجيبوا أنفسهم على التساؤلات التي تثور في أذهانهم بعيدًا عما في الكتب ، وعما لدى أهل العلم ، وهذا يؤدي بهم إلى أن يشعروا بنوع من الامتلاء الكاذب ، ويكونون بذلك كمن يتجشأ من غير شبع !

2 -طريقة التعليم السائدة في المدارس تكرس ما تشيعه الثقافة الشعبية ؛ حيث إن أسلوبنا في تلقين المعلومات يجعل المعلم يظهر في موقف الإنسان الذي يعرف كل شيء ، أو موقف الفارس الذي يجول ويصول في الحلبة وحيدًا دون أن يحسب حساب أي شيء . وتتجلى المعلومات التي يسوقها في شكل معطيات قطعية ، تجاوزت مرحلة الجدل والنقاش . وبعض المعلمين يزيد الطين بلة ، فيمنع الطلاب من إلقاء أي سؤال ؛ لأن ذلك قد يشير إلى أنه لا يشرح بطريقة وافية ، أو لأنه قد يوقعه في الحرج مما يدفع الطلاب إلى الصمت المطبق !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت