فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 292

4 -أكثر الناس استخدامًا لعقولهم واستثمارًا لها هم الفلاسفة ؛ حيث إن صياغة المفاهيم بواسطة العقل هي شغلهم الشاغل ؛ ومع ذلك فإن كل المشتغلين بالفلسفة يعترفون أنه ليس من شأنها أن تمنحنا اليقين ، أو تحدد لنا موطن الداء في قضية من القضايا ، أو تصف لنا الدواء ، أو تقدم لنا مفاتيح حلول المشكلة من المشكلات ، إنها نشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة ، وإعادة صوغ المشكلات ؛ إنها أشبه بمسلسل ليس له نهاية ، وهي دائمًا في حركة مستمرة من إشكال إلى إشكال أعمق وأكثر تعقيدًا من سابقه . ولست أقصد هنا إلى الإزراء بالفلسفة ؛ وإنما أريد أن أقول: إن الناس بحاجة إلى اليقين وإلى أطرٍ مهما تكن واسعة إلا أنها في النهاية موجودة وواضحة . وتلك الأطر تضع حدًا لكثير من الأسئلة التي يطرحها العقل ، كما ترشد إلى المسار الذي يمكن أن يسلكه في الإجابة على الأسئلة المطروحة . وهذه الأطر لن يجدها الناس إلا في الدين الذي جعله الله جل وعلا مستوعبًا لكل الخير الذي جاءت به الأديان السابقة .

5 -العقل البشري عاجز عن التنبؤ الدقيق بما يمكن أن يقع في المستقبل ؛ وقد حاول بعض مفكري أوروبا أن يستعينوا على معرفة ما يمكن أن يقع في المستقبل ببلورة رؤية شاملة للكون: بنيته ، وعناصره ، ونواميسه ، على قاعدة:

إذا أردت أن تعرف ما سيحدث في المستقبل فانظر إلى ما حدث في الماضي .

والحقيقة أنه لا يعرف الغيب إلا الله تعالى ، وأن عقولنا تستطيع أن تتوقع حدوث أمور صغيرة في المستقبل القريب . أما توقع الأحداث الكبيرة في أزمنة متباعدة فهذا ما يكون غالبًا غير ذي جدوى ، ويظل في دائرة الظن أو الوهم ؛ وما ذلك إلا لأننا عاجزون عن معرفة كل التغييرات التي ستقع في المستقبل ، والتي ستؤثر في نوعية الأحداث والتحولات التي يمكن أن تقع .

أما قراءة التاريخ لاستخراج النواميس والسنن الكونية منه ، فإن عقولنا تكشف عن قصور مدهش في هذا الجانب ؛ والسبب في ذلك أن معرفتنا بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى ولادة أحداث التاريخ الكبرى تظل دائمًا معرفة ناقصة . وحين نحاول حصر أسباب الأحداث الكبرى ، ونوفق في ذلك فإن المشكلة التي تنتظرنا تكمن في تحديد وزن كل سبب وحجم تأثيره في وقوع تلك الحوادث ، لكن حين نتأمل سنن الله تعالى في الخلق كما وردت في نصوص الكتاب والسنة ، فإن دائرة خطئنا تضيق ، ودرجة اليقين لدينا تكون أكبر .

6 -لا يملك العقل البشري أي عتاد حقيقي يمنعه من التورط في صناعة الخرافة وقبولها . ولست أبالغ إذا قلت: إن البنية العميقة لعقول معظم الناس هي بنية خرافية ؛ حتى كأن الخرافة هي الأصل لديهم ؛ إذ بمجرد حدوث ضعف في التثقيف الجيد أو وقوع الناس في حالات استثنائية من الشدة والكرب تطفو تلك البنية على السطح .

لو تساءلنا: من أين تأتي قابلية عقولنا للسقوط في مستنقع الخرافة ؟ لوجدنا أننا تجاه حالة لا تخلو من الغموض ؛ لكن يبدو لي أن مصدر ذلك يعود إلى أمرين جوهريين:

الأول: هو جهلنا بمعظم ما يقع في الوجود من أحداث ؛ فإذا قلنا: إنه يقع على الكرة الأرضية في الدقيقة مئة مليون حدث ، فإن الواحد منا قد لا يشاهد منها سوى خمسة أو عشرة ؛ والباقي يقع بعيدًا عن النظر ، أضف إلى هذا أن خبرتنا بما حدث في الماضي أيضًا محدودة جدًا . ولدى الناس إحساس بأن هناك عوالم لا تغطيها حواسنا ؛ ونحن المسلمين مثلًا نعتقد بوجود عالميِ الجن والملائكة ؛ فإذا ما حُدِّثنا عن حصول بعض الأمور الخارقة أو غير المألوفة ، فإن عقولنا كثيرًا ما تتقبلها على أنها تنتمي إلى عالم من العوالم التي لا يراها الإنسان ، أو تتصل بالأحداث التي لم يشاهدها ، وتكون تلك الأمور من الخيال أو من الكذب المحض .

الثاني: هو أن عقولنا تتقبل الأخبار التي نسمعها ما دامت تقع في دائرة المعقول ، وترفضها إذا خرجت عن تلك الدائرة ؛ فإذا ما قيل لنا: إن الناس في البلد الفلاني رأوا شخصًا يحمل عشرة قناطير على ظهره ، فإننا نرفض ذلك ، ونعده من قبيل الخرافة ؛ لأنه يقع خارج دائرة المعقول بالنسبة إلينا ؛ لكن المشكلة هنا أن الذي يرسم دوائر المعقول وغير المعقول في غالب الأمر ليس العقل ، وإنما الثقافة والخبرة ؛ فإذا ما قال لك شخص: أعطني ألف دينار لأتاجر لك به ، وستربح مائة ألف في آخر السنة فإن القناعة بذلك وعدم القناعة به لا يقودان إلى العقل وإنما إلى الخبرة والمعرفة بالتجارة وأحوال السوق في تلك السنة ؛ فصاحب الخبرة ربما يقول لك: لا تصدق ذلك ؛ فأمهر التجار لا يستطيع اليوم مضاعفة رأس ماله مرتين أو ثلاثًا في العام فضلًا عن أن يضاعفه مئة مرة ؛ لكن يأتي شخص آخر عديم الخبرة ، أو له خبرة مختلفة بأحوال السوق ، فيقول: كلام ذلك الرجل معقول ، وقد حدث مثل ذلك في العام الفلاني مع الشركة الفلانية ، ولا مانع من أن يحدث الآن ، وهكذا فمضاعفة رأس المال مئة مرة في السنة تعد من قبيل المعقول في خبرة شخص معين ، وتعد من قبيل الخرافة والاحتيال في خبرة شخص آخر ؛ ولهذا فطالما انقسمنا تجاه بعض الأخبار والأحداث إلى فريقين: فريق يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت