1-المسلم الحكيم هو المسلم التقي الملتزم الذي يتحرّج أشد التحرّج من التقصير في واجب أو الوقوع في محرّم. إنه يعرف واجبه تجاه خالقه -جل وعلا-، ويملك الإرادة والعزيمة على الامتثال لذلك الواجب. إن المسلم الذي يعيش أزمة مفارقة بين معتقده وسلوكه لا يمكن اعتباره حكيمًا مهما كانت براعته المعرفية، ومهما كانت مقدرته الإدارية ومهارته في القيادة والاتصال... لأنه بعدم التزامه خسر أكبر ميدان يمكن للحكمة أن تتجسد فيه. كلما ازداد المسلم شفافية، وكانت معاييره في التعامل مع الأشياء والأحداث.
2-لا يكون الإنسان حكيمًا إذا لم يعرف الحدود الفاصلة بين ما يعلمه، وبين ما يجهله. إن هذه المعرفة ضرورية جدًا لتجلي الحكمة في حياتنا. إننا من خلال تلك المعرفة نستطيع التوقف عن الكلام والجدال والإعلان بأننا لا نعرف أكثر مما قلنا، أو الإعلان بأن الكلام لم يعد مفيدًا؛ لأنه صار عبارة عن مراء، يُظهر أمراض النفوس أكثر مما يُظهر إشراقات العقول.
3-من علامات حكمة المرء معرفته بقدر نفسه، فلا يرفعها فوق ما هي عليه حقيقة، ولا ينزل بها عن ذلك. حين يرفع المرء نفسه فوق قدرها فإنه يقع في الكبر والغرور والوهم، وتأتيه الصدمات من كل مكان، وحين يستخفّ بها، وينظر إليها نظرة احتقار فإنه يذلّها، ويحرمها الكثير من الخير. لا يكفي كي يكون المرء حكيمًا أن يعرف ما هو ناجز في حياته وفي شخصيته، وإنما عليه أن يعرف أيضًا الطاقات الكامنة لديه، أي الصورة العقلية والثقافية والاجتماعية والمهنية التي يمكن أن يكون عليها إذا بذل جهده في الاهتمام بنفسه. وتلك المعرفة، لا تكون كافية إذا لم يصاحبها تفتّح عقليّ على الجديد، وعمل متواصل على الارتقاء. وإذا كان هذا المعيار صحيحًا -وهو صحيح إن شاء الله- فإن معظم الناس ليسوا حكماء؛ لأنهم راضون بأوضاعهم، وكثيرًا ما يكونون خائفين من التغيير، متهيّبين لتكاليف الإصلاح.
4-من الحكمة أن نتعرف على اتجاهات الناس، وأن نأخذ بعين الاعتبار ظروفهم وأشكال معاناتهم. إن أعقل الناس أعذرهم للناس -كما كان يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه- وإن المعرفة الكاملة صفح كامل. إن من المهم أن ندرك أن كثيرًا من عباد الله يعانون من مشكلات لم يصنعوها بأيديهم، ويعيشون في بيئات وفي ظروف لم يختاروها لأنفسهم؛ ومن ثم فإن إعذارهم والإشفاق عليهم ومؤازرتهم إن كل ذلك يدل على حساسية أخلاقية عالية، ويدل على رؤية واسعة وحكيمة.
شيء من الحكمة هو فيض يجود به الله -تباركت أسماؤه- على عباده، وشيء آخر نصل إليه عن طريق المعرفة المدققة والمجاهدة الحسنة لنفوسنا، وبداية كل خير كثيرًا ما تكون في الاعتراف بالقصور والتقصير والسعي في مدارج الكمال على قدر المستطاع.
د. عبد الكريم بكار 9/2/1427
كان ضعف الاتصال بين أجزاء العالم في الماضي يوفر حماية طبيعية للثقافات الضعيفة من اجتياح الثقافات القوية؛ لكن هذا الوضع آخذ في التغير اليوم على نحو مدهش ومتسارع، فثورة الاتصالات والبث الفضائي وتداخل مصالح الأمم والشعوب، يدفع في اتجاه إيجاد تجنيس واسع النطاق للاهتمامات والقيم والرؤى والعلاقات، ومن هنا فإن على الكثيرين منا ومن غيرنا أن يقبلوا بأشياء كثيرة كانوا يستنكرونها من قبل، كما أن عليهم أن يهيئوا أنفسهم للمزيد من التغير في النظر إلى كثير من الأمور.
القيم هي كل ماله قيمة مادية أو معنوية واعتبارية، وتشكل القيم لدى الإنسان المرشد الأكبر له في دروب الحياة الملتوية، كما أنها تعلمه كيف ينظّم ردود أفعاله تجاه الأشياء والأحداث المختلفة.
تقول إحدى قواعد التواصل الأممي: إنه إذا التقى قويّ وضعيف فإن اللقاء يكون في الأعم الأغلب لصالح القويّ، إذ يمكّنه اللقاء من إبراز جاذبيته وفرض شروطه. وإنّ كثيرًا من القيم لا يستمد قوته من مشروعيته أو عظمته أو سماحته، وإنما يستمدّها من قوة حضوره. وذلك يعود إلى أن وعي الإنسان بعظمة القيم التي لديه ووعيه بما يحتاجه من قيم، يظل ناقصًا وميالًا إلى الغموض. ومن هنا فإن الناس يطربون في نهاية الأمر للصوت القادر على الوصول إلى آذانهم.
نقصد بالاختراق هنا إجبار منظومةٍ قيمية منظومةً قيميةً أخرى على التعرّف على ذاتها من جديد وعلى إعادة ترتيب درجات سلّمها الخاص، كما تجبرها على إحداث بعض التغييرات في إطارها المرجعي. الثقافة السائدة في ديار المسلمين تقوم في جوهرها على تعاليم الإسلام وأدبياته، وهي تتعرّض اليوم لضغوط متنوعة من الثقافات السائدة في الدول الصناعية التي تقود مسيرة التطوّر التقني والاقتصادي، وهذه الضغوط لا تُمارس على ثقافتنا فحسب، بل تُمارس على كل الثقافات التي لا يتمتع أصحابها بموقع في غرفة القيادة الأممية والدولية، ولعلي أوضح معالم هذا الاختراق عبر المفردات الآتية: