السأم الذي يشكل ألد أعداء الحياة الهانئة، له هو الآخر وجهه المشرق، حيث إنه يشكل أفضل عازل لنفوسنا عن التفاعل مع الأشياء السيئة التي تضر بصحتنا النفسية والعقلية. والكسل الذي لا يلقى أي مديح من أي أحد كثيرًا ما يمهد لانطلاقة روحية وحركية عظيمة، كما أنه يعيد للحياة توازنها من خلال صرفنا عن النشاط المسرف والجدية المبالغ فيها.
المال الذي في أيدينا هو وسيلة تحرير لنا من ذل الحاجة، ووسيلة تحرير من عالم الضرورات، لكن مواصلة الرحلة لاكتساب المزيد منه دون أي حدود قد تحوله إلى شيء يستعبدنا وينهكنا.
هكذا بالتفكير اللانمطي بالبراعة الشخصية في النظر إلى الأشياء من منطلق شخصي وخارج قواعد ما تشيعه العولمة للحياة المرفهة يمكن لنا أن نستلهم الحقائق الكبرى في الوجود؛ ليبدأ فصل جديد في الحياة هو أكثر غنى وإمتاعًا وأمنًا من كل ما عهدناه وخبرناه.
د. عبد الكريم بكار
لو تأملت في حياة كثير من الناس لوجدت أن أهم مفقود لديهم هو التوازن والاعتدال، وهذا يعود -كما أشرت في المقال السابق- إلى أن الميل إلى التطرف هو الأصل. أما التوازن فشيء يكتسب، ويبحث عنه، إنه مثل العلم من طلبه ظفر به وإلا ظل على الجهل الذي هو الوضع الأصلي لبني الإنسان، والسؤال الملحّ والمهم دائمًا هو كيف وبم نحصل على التوازن؟
في تصوري أن من أهم ما يفيد في هذا الشأن الآتي:
1-النظر إلى أي وضعية متوازنة نصل إليها على أنها اجتهادية ونسبية ومؤقتة. إننا حين نسعى إلى الاتزان في موقف من المواقف أو في تعبير من التعبيرات أو في علاقة من العلاقات نتخيل في العادة وضعيتي الإفراط والتفريط، ونحاول أن نتخذ بينهما مسلكًا وسطًا، ونحن في هذا على صواب، لكن من المهم أن ندرك أن تخيلنا للإفراط والتفريط والنقطة التي تتوسطهما هو تخيل ناقص وإدراكنا إدراك نسبي، بمعنى قد ينظر غيرنا إلى ما نعده وسطًا على أنه يميل إلى التشدد أو التساهل. وفي عصر التفسير السريع صار كل توازن يأخذ طابع المؤقت؛ وذلك لأننا في توازننا نعتمد على إدراك أشياء متغيرة، والذائقة الثقافية للناس في حالة من التغير المستمر والمتسارع، وهذه الرؤية للتوازن تحفزنا على إعادة النظر في كل أشكال التوازن لدينا.
2-الإيغال في أي شيء -مهما يكن جيدًا وحميدًا وضروريًا- يؤدي إلى تضييع أشياء مهمة وضرورية. وقد أكد -صلى الله عليه وسلم- صواب رؤية سلمان الفارسي حين قال لأبي الدرداء -رضي الله عنهما-:"إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه". إن لكل شيء ثمنًا ولكل اهتمام زائد بأي شيء سلبية خطيرة هي نسيان أشياء أخرى مهمة. والتوازن في كل ذلك جزء من الابتلاء في هذه الحياة. الجود جيد، لكن الإيغال فيه يتصل بالسفه والتبذير. الجرأة جيدة لكنها تتصل بالوقاحة. الحذر جيد لكنه إذا تجاوز حدودًا معينة صار خورًا وجبنًا. الشجاعة جيدة، لكنها إذا لم تقيد ببعض الحسابات العقلية تحولت إلى تهور وهكذا... ولذا قالوا: الفضيلة وسط بين رذيلتين.
3-من المهم أن نراقب ردود أفعالنا؛ إذ إن كثيرًا من الشطط ينشأ حين نتخذ موقفًا أو نسلك مسلكًا بناءً على الانفعالات التي تعتمل في صدورنا.
والحقيقة أن أكثر من 70% من أنشطتنا اليومية هو في جوهره ردود أفعال على مثيرات متنوعة، وحين تخف رقابة وعينا على عواطفنا فإننا نقابل الخطأ بالخطأ والتطرف بتطرف مماثل؛ لكن حين نركز ليس على ما قيل لنا ولكن على ما يليق بنا أن نفعله أو نقوله، فإننا نكون قد تحررنا من وطأة رد الفعل العشوائي والفوضوي، وما أجمل قول الله - عز وجل-:"وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت:34] .
4-كثيرًا ما يكون الشطط والبعد عن القصد ناتجًا عن فقر الخيال وقصر النظر، فنحن في كثير من الأحيان نعلِّق كل توازننا على شيء من الأشياء ظانين أنه يشكل بالنسبة إلينا شيئًا مصيريًا، وإذا فقدناه فلا معنى للحياة بدونه، ونضيف إلى هذا الاعتقاد بأن ذلك الشيء سيظل شيئًا استثنائيًا في نظرنا في كل الأحوال وكل الأزمنة؛ ولهذا فإننا نفعل من أجله ما لا يصح فعله، ونهمل في سبيل المحافظة عليه ما لا يصح إهماله. ويكفي الواحد منا لفهم هذا الأمر أن يتأمل في تاريخه الشخصي، وكيف كان ينفض يده من أشياء وصداقات وعلاقات كانت بالنسبة إليه شيئًا أثيرًا وخطيرًا. ولنتأمل مليًا في قوله -عليه الصلاة والسلام-:"أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك يومًا ما، عسى أن يكون حبيبك هونًا ما".
مدى - 2
د. عبد الكريم بكار
إذا كان (التفكير الموقفي) يعبر عن الوعي المتأخر والجهد الاستدراكي، فإن (التفكير الوقائي) و (التفكير الاستراتيجي) يعبر عن الرؤية الشاملة للواقع بطبيعته ومعطياته، ولمنطق الأشياء ممتدة في الماضي والمستقبل.