فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 292

حين نكف عن التفكير وعن بذل الجهد المطلوب في الاتجاه الصحيح فإن أزماتنا ومشكلاتنا تأخذ في التصاعد، حيث إن كثيرًا منها ذو طبيعة تفاعلية.

وآنذاك نجد أنفسنا وقد أحيط بنا، ودخلنا في نفق مظلم، لا نعرف كيف نخرج منه.

إن استراتيجية كل مسلم ينبغي أن تقوم على الحياة من أجل الإسلام، أملًا في الفوز برضوان الله -تبارك وتعالى-. وقد قال -عليه الصلاة والسلام-:"خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا"، وقال:"لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا"وإن من الإنجازات الكبيرة لأسلافنا أنهم استطاعوا بلورة المسائل الكلية التي تدور حولها فروع التشريع، وهي حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال. وقد ذكروا أن (الدين) أعلاها حظًا بالرعاية والصيانة إلى درجة التضحية بالأنفس والأموال من أجله. ولهذا شرع الجهاد بالنفس والمال، كما أن المال يُبذل من أجل حفظ النفوس، ولهذا يجوز دفع المال للعدو من أجل تخليص أسرى المسلمين.

إن كون حفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول مقصدًا عظيمًا من مقاصد الشريعة الغراء يمنح رؤيتنا الاستراتيجية توازنًا وعمقًا جديرين بالتأمل.

إن بقاء الدين عزيزًا كثيرًا ما يشترط وجود أوطان عزيزة، وعزة الأوطان كثيرًا ما تتوقف على وفرة الرجال المخلصين الشرفاء، وعلى وفرة الأموال بوصفها الأداة التي لا يمكن الحصول من غيرها على أي أداة، وهكذا فإن الحفاظ على نفوس المسلمين وأموالهم هو بمعنى ما يشكل نوعًا من الحفاظ على الدين، ولهذا فإن بذلها في أي اتجاه - ولو كان نصرة الدين وصيانة الأوطان- يظل خاضعًا للموازنة والاعتبار والنظر.

لو اجتاح العدو بلدًا مسلمًا، ورأت حكومته أو أهل الحل والعقد فيه وجود إمكانية لدفعه دون أن تستأصل شأفة المدافعين عنه، فإنه لا مناص من القيام بذلك، أما إذا غلب على ظنهم أو تيقنوا بأن مدافعة العدو ستؤدي إلى ذهاب النفوس والأموال دون أمل في النجاح فإن المهادنة جائزة، وذلك لأن المحافظة على إمكانات المسلمين في وقت الضعف تشكل المقدمة لاستخدامها في نصرة الدين، والدفع عن الأوطان في وقت لاحق.

العيش من أجل الإسلام هو الخط الاستراتيجي الذي يتسع لكل المسلمين، والموت في سبيل الإسلام هو (المناورة أو التكتيك) الذي يتَّسع لفئة من المسلمين في بعض الأوقات، وإن (التكتيك) إذا لم يكن في سياق عمل (استراتيجي) كان عبارة عن انتفاضة مؤقتة تعقبها حسرة وندامة.

إن مهمة العمل الاستراتيجي تتركز في أن نحل مشكلاتنا الداخلية بأقل قدر من العنف، ومن غير إراقة دماء، وهذا يقتضي أن نتشرب روح السلم والعمل على النفس الطويل، وإلا فإننا سنظل نجد أنفسنا غارقين في الدماء دون أن نحل أي مشكلة.

إن كثرة الطوارئ في حياتنا وفي علاقاتنا مع أعدائنا تدل على ضعف أبنيتنا الحضارية واختلال نظمنا الأساسية في التفكير والعمل.

الموت من أجل الإسلام سهل، وفيه مغريات. والشاق حقًا هو أن نعرف تمامًا متى يكون ذلك سبيلًا إلى إنعاش الإسلام وعزة المسلم

مدى-3

د. عبد الكريم بكار

إن التطورات السريعة التي شملت كل المجالات والتي لم يسبق لها مثيل، وفرت -ولا شك- الكثير من الفرص والكثير من الأوضاع الإيجابية، لكن الناس ليسوا مهيئين للتعامل معها على الوجه الصحيح.

إن جملتنا العصبية ومرونتنا الذهنية وقدرتنا على الاستيعاب، إنها جميعًا تتعامل دائمًا مع المتغيرات البطيئة على نحو أفضل من تعاملها مع التغيرات السريعة، ولهذا فإن لنا أن نقول: كلما زادت سرعة التغير كان لنا أن نتوقع تزايدًا في اختلال منظومة الأنساق التي تشكل حياتنا العامة والخاصة. ومن ثم فإن علينا أن نفتح عينًا على التطور وفوائده ومكاسبه، وعينًا على الأضرار التي يسببها لنا على مستوى التوازن بين جوانب حياتنا المختلفة.

قبل الثورة المعلوماتية وثورة الحاسوب كنا نشكو من الخلل الذي همَّش الإنسان لصالح الآلة، لكن اعتماد تقدم منجزات الحاسبات على البرمجة والتي تعتمد بدورها على الذكاء والمجهود الذهني المركز أعاد الاعتبار للعنصر البشري في التنمية لكن ذلك كان للعقل لا للروح. ولهذا فإن من الملاحظ أننا مشغولون اليوم بالحديث عن الذكاء والإبداع والتفوق والنجاح والقوة والقدرة على الاحتمال، وما شابه ذلك مما يرتبط بالعقل والدور الذي يمكن أن يؤديه في النهوض العام، إلى جانب التركيز على النشاط العقلي الذي فرضته ثورة الحاسوب، يتم التركيز على النشاط الاقتصادي الذي تفرضه العولمة بقوة. وهكذا فقد غدا (المال) المحور الأساسي في الحياة، وصار الحصول على المزيد منه يشكل الهاجس الأقوى الذي يجتاح الخواطر. وبما أن المعروض دائمًا من المال هو أقل من المطلوب، فقد أثارت شدة الطلب عليه ما لا يحصى من التوترات الاجتماعية، وفسد بسببه الكثير من الذمم. وصاحب كل ذلك ضمور وتراجع في الأنشطة الدعوية والروحية والأدبية والإنسانية، وكانت حصيلة ذلك ذبول في عالم المعنى وخمود لتألق الروح، واجتاحنا شعور باليأس وانسداد الآفاق، وبالغربة بين الأهل والأحباب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت