فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 292

إن البشر عبارة عن مخلوقات عاطفية، ومكمن وجودنا الحقيقي هو الروح وليس العقل. وسعادتنا لا تتوقف على امتلاك المزيد من المال - كما نتوهم- فالمال مخلوق لقضاء الحاجات، وليس لتفجير ينابيع السرور العميق.

إن رمضان يشكل فرصة لاستعادة شيء من أمجاد الروح السليبة، وهو فرصة لترميم ما طرأ على توازننا الشخصي من اختلال.

إن في إمكاننا اليوم أن نسقي شجرة الإيمان بماء المناجاة والتذلل بين يدي الله -تعالى- كما أن في إمكاننا أن نتأمل في الهدف النهائي لخطواتنا اللاهثة. إن المستقبل الحقيقي لا يكون أبدًا مؤقتًا، ولذلك فإنه أكبر وأوسع من أن يتحقق في حياتنا الفانية والمحدودة، إن ترك نفوسنا تنشغل بما تصادفه على السجية دون توجيه سيعني دائمًا الانشغال بكل ما هو صغير ومؤقت، وهذا ما تفعله في الحقيقة العولمة حين تغرق وعينا بتفاصيل لا نهاية لها، وهي في الوقت نفسه تطمس على رؤيتنا للأصول والكليات، وأعتقد أنه قد حانت الساعة التي يعاد فيها رسم الأولويات وتحرير الوعي من جملة الارتباكات والتخبطات، وحين نأخذ بالعمل في هذا الاتجاه، فسنكون قد بدأنا بكتابة تاريخ جديد لانتصار الحقيقة على الوهم

مدى-4

د. عبد الكريم بكار

نستطيع القول: إن أمامنا على المستوى الثقافي تحديًا بين أساسين: التحدي الأول، وهو يتمثل في توليد أكبر عدد ممكن من الأفكار والمفاهيم المطلوبة لإطلاق نهضة إسلامية شاملة. إن المثل والمبادئ والقيم العليا هي أساس كل نهضة؛ وإننا إذا تأملنا بعمق فيما هو مشترك إنساني منها، وما هو خاص بأمة دون أمة لوجدنا أن المشترك أكبر من الخاص؛ لكن المبادئ الكبرى لا تستطيع إيجاد واقع ناهض من غير وسيط أو أداة تستعين بها، وتلك الأداة هي الأفكار والمفاهيم الصغرى ذات البعد التقني.

إن الرغبة في تحسين المستوى الصناعي -مثلًا- موجودة في كل مكان من الأرض، لكن أممًا بعينها هي التي استطاعت إنجاز ذلك بسبب الكم الهائل من الأفكار والأطر والنظم التي تراكمت لديها، بالإضافة -طبعًا- إلى إرادة صلبة في التحول من التجارة إلى الصناعة بوصفها القاعدة الأساسية للتنمية الحديثة. وما ينتجه المجال الصناعي من أفكار كان في الماضي هو عماد التقدم التقني، ثم صار للجامعات ومراكز البحث العلمي والتطوير وأقسام الجودة في الشركات دور بارز في ذلك. ومن المؤسف القول: إننا على صعيد هذا التحدي لم نسجل إلا القليل من النجاحات!

أما التحدي الثاني فإنه يتمثل في تعميم المبادئ والأفكار والقيم على الناس، من أجل إيجاد صبغة ثقافية واحدة تجنس الرغبات والتطلعات والمعايير داخل المجتمع الإسلامي الواحد. وأعتقد في هذا السياق أن الدعوة إلى الله تعالى تشكل أوسع الأطر المطلوبة لحركة تعميم الثقافة وتوفير السمات العامة الضرورية لتوحيد الأمة، ويلاحظ في هذا الشأن تراجع الهم الدعوي لدى كثير من طلاب العلم، إلى درجة أنه يمكن لنا أن نقول: إنه مع مرور المزيد من الوقت يصبح لدينا الكثير من الباحثين والمتخصصين والقليل من الدعاة والحريصين على نشر العلم بين الناس، وهذا في الحقيقة يشكل خطورة على الصفوة المثقفة وعلى الناس العاديين، إن قيمة المعرفة مرتبطة على نحو أساسي بالتحامها بأكبر عدد من الناس ومرتبطة بما يمكن أن تقدمه من حلول للمشكلات السائدة، وبما تفتحه من حقول للمارسة، وهذا لا يتأتى من غير نشر الأفكار والمعارف على أوسع نطاق ممكن.

إن المال حين يرتكز في يد فئة محدودة تتداوله بينها بعيدًا عن الدوائر الشعبية، يتحول إلى أداة إفساد لأصحابه وللمجتمع أيضا، وهكذا العلم فإنه حين يتضاءل نشره بين الناس يفسد أصحابه ويحولهم إلى طبقة تستغل ثمراته لمصالحها الشخصية، ويعزلهم عن القاعدة الشعبية العريضة بما يوفر لهم من مفاهيم التميز والاستعلاء على من يسمون أحيانًا بالعامة والدهماء! على حين أن ممارسة الدعوة توفر لطالب العلم روح التفاوض وأخلاق التلاؤم مع غيره، أي أن الدعوة توفر تواصلًا اجتماعيًا يقوم على السياسة عوضًا عن شيوع الصراع القائم على استخدام القوة.

إن قوله -صلى الله عليه وسلم-:"بلغوا عني ولو آية". وقوله:"نضر الله امرأ سمع مقالتي هذه فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع"يستهدف تكوين استنارة عامة لدى الأمة وإيجاد وعي عام بما يجب أن تصير إليه في أمر دينها ودنياها.

وقد أثبتت التجربة الحاجة الماسة إلى ذلك، حيث إن القيادة الثقافية المستنيرة لا تستطيع استثمار معارفها واستخدامها في ترشيد الحركة الاجتماعية إذا لم تتمكن من إيجاد قاعدة شعبية عريضة متشعبة بأفكارها وطروحاتها.

إن العلم للعمل، وإن عمل المثقف لا يقتصر على انسجام سلوكه مع معارفه، وإنما يتجاوز ذلك إلى جعل تلك المعارف شموعًا يهتدي بها السارون في عصر شديد الاضطراب

مدى - 5

د. عبد الكريم بكار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت