فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 292

لو تساءلنا: ما أهم ما تفقده مجتمعاتنا اليوم لأمكننا أن نذكر العديد من الأشياء، وأظن أنه سيكون في مقدمتها شيء خطير هو (الثقة) ، الثقة جزء مهم من رأسمال المجتمع، وحين تفقد من مجتمع من المجتمعات فقد لا يستطيع ذلك المجتمع استعادتها إلا عبر قرون من العمل، هذا إذا كانت استعادتها ممكنة. وإن العولمة تلعب دورًا جوهريًا في ذلك، حيث إنها تنشر أخلاقيات (الصفقة) بما تنطوي عليه من المساومة والمبالغة والخديعة، وإن الأداة الرئيسية التي تستخدمها العولمة في ذلك هي فن الدعاية والإعلان، حيث باتت الدول المختلفة تنفق من أجل الترويج للسلع ما يزيد على أربعمائة مليار دولار سنويًا! الثقة تعني وجود درجة عالية من الطمأنينة الاجتماعية والتي ترتكز أساسًا على المصداقية والشفافية ومتانة الخلق. وأعتقد أن من المسؤوليات الأساسية للخطاب الإسلامي اليوم، القيام بتقديم نموذج تطبيقي في إشاعة الثقة وبناء المصداقية، هذا النموذج يقوم على السعي إلى التزام الصدق وخدمة الحقيقة وتقديم النصح الخالص للناس فيما يصلح أمور دينهم ودنياهم.

أدنى درجات الصدق يتمثل في موافقة كلام المرء لمعتقده؛ فإذا كان صانع الخطاب يعتقد -مثلًا- أن الأمة تمر بمرحلة حرجة جدًا وجب عليه أن يصرح بهذا ولو كان بذلك يعرّض نفسه لأن يوصم بأنه متشائم، وإذا كان يعتقد أن الجانب الروحي من حياة الأمة يحتاج إلى عناية خاصة كان عليه أن يجهر بذلك، ولو كان بهذا سوف يثير عليه بعض من يرى أن الحديث في المسائل الروحية كثيرًا ما ينمّ عن انحراف عقدي وهكذا...

أما درجات الصدق الأكثر سموًا ورقيًا فإنها عديدة، ولعل من أهمها:

1-تحري مدى مطابقة الكلام للواقع، إذ إن كثيرًا مما نعتقد وجوده قد لا يكون موجودًا في واقع الأمر، حيث إن آراءنا ومعتقداتنا كثيرًا ما تكون نتيجة قراءات ناقصة للواقع أو للتاريخ.

2-العثور على درجة ملائمة من التكافؤ بين اللفظ والمعنى؛ حيث إن من الملاحظ اليوم الاهتمام بأناقة الكلمات ورنينها على حساب عمق المضمون، مما يجعل وصف السامعين لكثير من الكلام بأنه (كلام فارغ) شيئًا صادقًا ودقيقًا.

إن الاهتمام بالاتساق الشكلي للتعبير بأن شيئًا ملموسًا، إذ إنه جزء من (ثقافة الصورة) الذي ترسخه الحضارة الحديثة. ولا يعني هذا بالطبع أن نسوّغ لأنفسنا استخدام التعبيرات المبتذلة، لكنه يعني أن نجعل توضيح الحقيقة على ما هي عليه بالضبط همنا الأساسي في التبليغ.

3-السكوت عند العجز عن قول الحق وإذاعة الحقيقة، حيث لا ينسب لساكت قول. وإن ما يجعل المرء موثوقًا حرصه على اختيار المجال الذي يستطيع أن يتحدث فيه عن كل أو جل ما يعتقد.

4-استخدام اللغة الكمية في التعبير؛ لأنها أكثر دقة ولأن العقل البشري يتعامل معها بكفاءة عالية على خلاف التعامل مع الكيف أو ما نسميه (الصفات) ، حيث يبدي العقل في استيعابها الكثير من الارتباك.

إن بلاغة الرقم هي بلاغة العصر الحديث، لكن علينا أن ننتبه إلى ما يمكن أن نسميه (المتاجرة بالأرقام) حيث قابليتها الشديدة للتزوير والتزيد والمبالغة.

قال الصادق المصدوق:"إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".

بالصدق ومجاهدة الأهواء ونبل المقاصد نبني الثقة، ونحافظ على ما تبقى من معاني الطمأنينة والاتصال النقي

مدى - 6

د. عبد الكريم بكار

إذا تأملنا بعمق في الحياة العامة للأمة فإنه سوف يثير انتباهنا شيئان مهمان:

الأول: هذا العدد الهائل من الشباب الغيور والمهتم بتحقيق شيء جيد يصب في رصيد هذه الأمة. وأعتقد -من غير تردد- أنه ليس على وجه الأرض أمة من الأمم تملك من الشباب الراغبين -في نصرة قضاياها العامة والقادرين على التضحية في سبيلها بالنفس والنفيس- مثل ما تملك أمتنا.

الثاني: هو الارتباك في توظيف هذه الرغبات والقدرات واستثمارها على النحو المجدي.

إن موقف الغرب المنحاز لليهود، وإن محاولته السيطرة على العالم الإسلامي بالشكل الفجّ والبعيد عن الالتزام المبدئي والمسحقة الأخلاقية -قد ولّد لدى شباب الإسلام شيئين كبيرين: روح الانتقام والثأر من الظالم المعتدي، واللجوء إلى الإسلام والالتزام بتعليماته بوصفه أكبر مصدر لتأمين المحافظة على الهوية، وبوصفه القادر على إيجاد قاعدة مشتركة لمقاومة العدوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت