فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 292

روح الثأر والالتزام بصرامة بتعاليم الإسلام يشكلان الشرارة التي تشعل الطاقات الهائلة المذخورة في دماء شبابنا اليوم. ونظرًا لعدم وجود (رؤية حضارية) قادرة على توظيف هذه الطاقات فقد نما لدينا على نحو سريع ما يمكن أن نسميه (التفكير الموقفي) ، والذي يعني حشد كل الأفكار وكل الإمكانات من أجل سد ثغرة أو خدمة قضية محدودة. التفكير الموقفي هو تفكير طوارئ لا يهتم كثيرًا بأسباب القضية موضع الحشد، كما لا يهتم بما يترتب على النجاح أو الإخفاق الذي يمكن أن ينشأ من الجهود العزيزة المبذولة. وهذا موروث عن قرون سلفت، حيث كان مفهوم (النصر) شبه محصور في النصر العسكري، وحيث كان تحقيق الغلبة في معركة من المعارك يشكل حدثًا فاصلًا وواسع التأثير في مسيرة الأمة، كما هو الشأن في مثل غزوة بدر أو الأحزاب أو حنين... وكثيرًا ما أسأل عن شروط تحقيق النصر، أو يقال لي: لماذا أبطأ النصر علينا؟ أو يقال: إن هذا التصرف يؤخر النصر... وهذه التساؤلات، وما ينسل منها تدل على أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى مسيرة أمة المليار ومئتي مليون نفس، كما ينظرون إلى مسيرة قافلة مكوّنة من مئة نفس، تعرضت لهجمة من اللصوص وقطاع الطرق؛ فكما أن التغلب عليهم يشكل نصرًا لأمة الإسلام، يمكن أن يشكل مرحلة جديدة في تاريخها.

ولا شك أن الأمر ليس كذلك. قلت مرة لواحد ممن سألوني عن (شروط النصر) قبل أن نتحدث عن الشروط والأسباب والعقبات عرّف لي النصر الذي تريده، ونبحث عنه، وطبعًا لم يستطع ذكر تعريف له؛ لأن تعريف نصر أمة يختلف كثيرًا عن تعريف الانتصار في معركة.

إن من المهم أن ندرك أن الصراع بين الأمم سنة من سنن الله -تعالى- في الخلق، وهو مظهر مهم من مظاهر (الابتلاء) في هذه الحياة، ولهذا فسيظل لكل عصر صراعه، ولكل صراع منطقة وأدواته وأساليبه وتحدياته. وإن أول خطوة على طريق الفوز في أي صراع تتمثل في فهم هذه الأمور على نحو جيد.

في زمان كثير التعقيد، وفي قضايا معقدة التكوين يكون تحقيق النصر النهائي شيئًا غير وارد، ويكون العمل المترابط والممتد على ما فيه من مشاق ومن ضعف الجاذبية هو المورد الذي يساعدنا على أن نراكم النجاحات الصغيرة، وهو السد الذي حول دون انتشار الإحباط الذي يسببه التفكير الذري والحشد والجهد المعزول.

مدى (1/2)

د. عبد الكريم بكار

كنت دائمًا أتساءل: لماذا لا نلمس إلا القليل من التقدم العقلي مع كثرة ما ينشر ويطبع من كتب ومجلات، ومع كثرة ما يذاع من برامج في الوسائل الإعلامية المختلفة؟

وقد تبين لي أن ذلك يعود في أكثر الأمر إلى ما يستهدفه الناس من وراء القراءة والاستماع والمشاهدة, كما يعود إلى طريقة القراءة وطريقة التلقي، وإلى كيفية التعامل مع ما يتحصَّل من معرفة من وراء ذلك.

إذا تساءلنا: لماذا يقرأ الناس ولماذا يستمعون ويشاهدون البرامج الثقافية، فإننا سنجد أن الناس في هذا الشأن ثلاثة أصناف:

صنف يقرأ من أجل التسلية والتخلص من وطأة الإحساس بالفراغ. وهذا الصنف يشكل من المستوى العالمي ما يزيد على 60% من القراء. ولا يخلو هذا النوع من القراءة من بعض الفائدة.

صنف ثانٍ يقرأ من أجل الاطلاع والحصول على بعض المعلومات، كمن يبحث عن حكم فقهي لمسألة من المسائل، أو ينظر في المعجم لمعرفة معنى كلمة من الكلمات. وفائدة هذا النوع من القراءة أكبر من فائدة النوع الأول. وكثير من القراء لا يعرف للقراءة فائدة سوى ذلك.

صنف ثالث -وهو قليل جدًا- يتطلع من وراء القراءة إلى تحسين قاعدة الفهم لديه، والارتقاء بمستواه الذهني، وإحداث تعديل مستمر في رؤاه وطروحاته ومنهجية تعامله مع الأحداث والأشياء، هذا الصنف من الناس هو الذي يستفيد أحسن فائدة ممكنة من وراء القراءة ومن وراء الاستماع والمشاهدة أيضًا.

سيكون في إمكان كل واحد منا أن يكون من هذا الصنف إذا قام بشيئين أساسيين:

الأول: أن يقرأ الكتاب بطريقة جادة وواعية. والحقيقة أن القراء الممتازين لا يقرأون كتابًا كثيرة، لكن حين يقرأون كتابًا فإنهم يقرأونه بطريقة جيدة.

القراءة الجيدة تعني نوعًا من التفلية للكتاب، أو نوعًا من الحرث له. والقارئ الجيد يحاول معرفة الخلفية الثقافية والانتماء الفكري للكاتب، كما يحاول تشكيل رؤية جيدة حول قيمة المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه. وهو إلى جانب هذا يطرح الكثير من الأسئلة حول معالجة الكاتب ومدى وفائه بالغرض الذي أخرج الكتاب من أجله، كما أنه يحاول تكوين رؤية خاصة حول القضايا التي عالجها الكتاب.

الثاني: التفكير في مضمون الكتاب، وما يمكن أن يُحدثه من (خلخلة) في أنساقه الفكرية المختلفة. إن الكتاب الجيد يتطلب من قارئه ثلث ساعة تفكير -على الأقل- بعد كل ساعة قراءة. وسنرتكب خطأ فاحشًا إذا فكرنا من غير قراءة ومن غير معلومات. كما سنرتكب خطأ مماثلًا له إذا استغنينا بالقراءة عن التفكير أو وجدنا في القراءة مهربًا من عناء التفكير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت