فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 292

3-إن ما نمتلكه اليوم من معارف وخبرات ، لا يتمتع بقيمة مطلقة ؛ فسكان الأرض يشكلون عالمًا واحدًا ، وأهمية كل جزء من أجزاء هذا العالم ، تنبع دائمًا من قدرته على الصمود والمنافسة وحل المشكلات ، وما يمتلكه من وزن في الساحات العالمية . وشيوع الأمية الأبجدية والحضارية ، قد جلب على أمة الإسلام مشكلات هي أكبر مما نظن ؛ وليس ذلك على صعيد المعيشة والإنتاج فحسب ؛ وإنما على صعيد فهم الإسلام أيضًا ؛ فالإسلام بما أنه بنية حضارية راقية ، لا يتجلى على نحو كامل إلا عبر تجربة معرفية وحضارية رائدة ؛ مما يعني أن التخلف الذي نعاني منه قد حال بيننا وبين رؤية المنهج الرباني على النحو المطلوب .

4-إن العقل البشري ، يميل دائما إلى تكوين عادات ورسم أطر لعمله ، وهي مع مرور الوقت ، تشكل نوعًا من البرمجة له ؛ والبيئة - بكل أنواعها - هي التي توفر مادة تلك البرمجة . وكلما كانت ثقافة الإنسان ضحلة ، وكانت مصادر معرفته محدودة ، ضاقت مساحة تصوراته ، وأصبح شديد المحلية في نماذجه ورؤاه ، عاجزًا عن تجاوز المعطيات الخاطئة التي تشربها من مجتمعه . والقراءة الواسعة ، والاطلاع المتنوع هو الذي يعظم الوعي لديه من خلال المقارنة وامتداد مساحات الرؤية ، وقد كان علماء السلف ، لا يثقون بعلم العالم الذي لم يرحل ، ولم يغبِّر قدميه في طلب العلم ، إدراكًا منهم لمخاطر البرمجة الثقافية القائمة على معطيات محلية محدودة .

5-التدفق الهائل للمعلومات ، وتراكم منتجات البحث العلمي في اتساع مستمر ؛ والنتيجة المباشرة لذلك هي تقادم ما بحوزتنا من معارف ومعلومات . وتفيد بعض التقديرات أن نحوًا من 90 % من جميع (المعارف العلمية) قد تم استحداثه في العقود الثلاثة الأخيرة . وسوف تتضاعف هذه المعارف خلال نحو من 12 سنة . ويقول أحد الباحثين: إن على المتخصص المعاصر أن يضع في حسبانه أن نحوًا من 10 - 20 % من معلوماته قد شاخ ، وعليه أن يجدده . ويرى أحد الباحثين أن أعراض الشيخوخة تعتري المعلومات بنسبة 10 % في اليوم بالنسبة إلى الجرائد ،

و10 % في السنة بالنسبة إلى المجلات ، و10 % في السنة بالنسبة إلى الكتب .

6-إن تقادم المعلومات يتجلى في صور شتى ، فتارة في ظهور زيفها أو عدم دقتها ، وتارة يتجلى في عدم ملاءمتها للخطط الجديدة ، وأحيانًا بتحوّل الاهتمام عنها ، لأنها لم تعد ذات قيمة في البناء المعرفي ، وأحيانًا بقراءتها قراءة جديدة ، أي:

إنتاجها مرة أخرى على نحو يبعدها عن مضامينها الأولى ...

والعلاج لذلك كله دوام الاطلاع والمتابعة ، حتى لا يتدهور ما لدينا من معرفة ، وحتى لا نغرق في الضلالات والأوهام التي تنتشر باعتبارها مفرزات جانبية للتقدم العلمي .

القراءة ومصادر المعلومات الأخرى:

عصرنا عصر انفجار المعرفة ، فالأعداد الهائلة من العلماء الذين يشتغلون بالبحث العلمي ، والوسائل المتطورة في حفظ المعلومات ونقلها وبثها ، والتواصل الكوني الفريد والمتزايد ، كل ذلك جعل الناس مغمورين بالأخبار والمعلومات والمفاهيم التي ترد إليهم كل لحظة من شتى أصقاع الأرض . هذه الوضعية حملت الناس على طرح سؤال حول ما تبقى من وظيفة للقراءة والكتاب ، كما حملت كثيرًا من المثقفين على الجهر بمر الشكوى من هجر الكتاب ، والافتتان بما تعرضه وسائل الإعلام المختلفة من برامج ومواد ثقافية متنوعة . والحقيقة أن لتلك الشكوى ما يسوغها ، إذ إن هناك مؤشرات واضحة إلى إعراض الناس عن القراءة واقتناء الكتاب ، والى إقبالهم على قضاء أوقات طويلة أمام الوسائل الإعلامية المختلفة .

ويكفي أن نعلم أن متوسط ما يطبع من معظم الكتب في البلاد العربية لا يتجاوز ثلاثة آلاف نسخة للكتاب الواحد .

وهذا العدد المحدود لا ينفد في الغالب في أقل من ثلاث سنوات عادة ، على حين تتجاوز أرقام التوزيع في الدول المتقدمة ذلك بكثير ، بما لا يدع أي مجال للمقارنة !

إن وسائل الإعلام تقدم برامج على درجة عالية من الزخرفة والإتقان ؛ مما يعطيها جاذبية عالية . فاذا أضفنا إلى ذلك انعدام البواعث على القراءة وانعدام التقاليد الثقافية المحبذة لاقتناء الكتاب واصطحابه - أدركنا وضعية القراءة في عالمنا الإسلامي !

إن وسائل الإعلام تقدم معلومات متشظية ، قلما تتصل بالحاجة المعرفية الحقيقية للمتابع لها ، كما أن المعروف أن المعلومات الكثيفة حول أي شيء قد تقف حائلًا دون فهمه على الوجه الصحيح ، تمامًا مثل الحقائق والمعلومات القليلة عنه ؟ فللعقل طاقة محدودة على التحليل والتصنيف والغربلة لما يرد عليه ، وحين يزيد على طاقته ، فإنه يربكه ويشتته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت