فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 292

1-بمجرد أن تتحدث عن الجمع بين أمرين مختلفين، فإن عليك أن تتوقع حدوث خلل بالميل إلى أحدهما على حساب الآخر. وكأني أشعر أن التطرف شيء راسخ في التراث الجيني للبشرية. وفي ضوء هذا فإننا نجد اليوم من جعل المعلومات التراثية المكون الرئيس لعقليته. واطلاعه على تيارات الثقافة المعاصرة ضحل ومحدود جدًا. ونرى إلى جانب هذا الصنف من تشبع بالثقافة والأفكار المعاصرة، لكن حظه من الثقافة الإسلامية الأصيلة ضعيف أو شبه معدوم. وقليل أولئك الذين يجمعون بينهما على نحو متوازن.

2-أعتقد أن التثقف بطريقة مشوهة هو الذي يولِّد القطيعة بين الأصالة والمعاصرة. وقل مثل ذلك في أساليب التربية التي تستخدم في تنشئة الأجيال.

إن تلقي المرء لكل مفردات الثقافة الإسلامية على أنها مسائل قطعية يقينية انقطع حولها الجدل، ينمي لديه عقلية البعد الواحد. وفي المقابل فإن الذي يُفتن بالمعارف والأفكار المعاصرة، ويتعامل معها على أنها مسلّمات لا يسعه إلا الانصياع لها، سوف يزهد بكل ما هو قديم، وينصرف بالتالي عنه.

3-ليس من السهل تكوين عقلية تجمع بين الأصالة والمعاصرة على نحو معتدل ومتوازن، ولن يكون هناك كمال في هذا الشأن، نستحوذ عليه، ثم نرتاح، وإنما نحتاج إلى نوع من المجاهدة الدائمة.

إذا عرفنا ما نريد من الثقافة الإسلامية بالضبط، وما نريده من علوم العصر بالتحديد أمكننا الجمع بينهما على نحو جيد. وفي هذا الإطار أظن أن مساهمة الثقافة الإسلامية سوف تكون حاسمة في تكوين الذهنية الحديثة في مجال العقائد والمبادئ الكبرى التي تشكل رؤية المسلم للحياة، كما أنها حاسمة في مسائل الحلال والحرام والسنن والآداب الفردية والاجتماعية.

أما الثقافة المعاصرة فإننا بحاجة إلى أن نتزود منها بما يساعدنا على فهم الواقع الذي نعيش فيه وفهم الفرص والإمكانات المتاحة، بالإضافة إلى التحديات التي يجابهها كل من يعيش في عصر بالغ التعقيد كعصرنا. التشبع بالثقافة المعاصرة، يساعدنا على فهم محاور الصراع والمنافسة بين الأمم، كما يساعدنا على التسلح بالأساليب والأدوات التي تساعدنا على كسب لقمة العيش، وحل المشكلات الإدارية والاجتماعية التي تجابهنا.

4-إن علينا أن نشرح للأجيال بوضوح أن ماضينا ليس مجموعة من الأمجاد والانتصارات، وأن تراثنا ليس مجموعة من الأقوال والنظريات المعصومة.

إنه فيه الأمجاد والانكسارات، وعلى مقدار ما فيه من أعمال ومواقف تجسد أوامر الشريعة السمحة، فيه أعمال ومواقف أملاها الهوى، أو قامت على اجتهاد خاطئ. حين نتجاوز الكتاب والسنة إلى باقي المعطيات التراثية فإننا سنجد أقوالًا وآراء لرجال بذلوا جهدهم في إدراك الحق، لكن ليس هناك أي ضمان لإصابته في كل مرة. وفي المقابل فإن المعلومات والمعطيات المعاصرة، هي الأخرى عبارة عن اجتهادات لا نشك في أن بعضها صحيح، كما أننا لا نشك أن بعضها فاسد أو خاطئ، وبعضها غامض لم يستبن وجه الحق فيه. وبعضها بعيد عن الحق لدخول عنصر التجارة في ترويجه وإشاعته. ومن هنا فإنه لا ينبغي أن نزهد في شيء بسبب قدامته أو حداثته. ولا أن نحترم شيئًا بسبب شيء من ذلك. ما وافق قطعيات الشريعة الغراء أخذنا به، وما حقق مصلحة للأمة دون أن يخالف مبادئها أخذنا به سواء أكان قديمًا أم حديثًا. وعلينا بعد هذا وذاك أن نبدي مرونة وتسامحًا في الأمور الخلافية والظنية، فالقطعيات هي التي تشكل ثوابت الحياة الإسلامية.

ونحن مع كل ذلك نعرف أننا نعيش في مرحلة تخلف وضعف، وأننا بحاجة إلى أن نستفيد مما لدى الآخرين، ولا غضاضة في ذلك ما دام ما نقتبسه ينسجم مع البنية الأساسية للشخصية والحياة الإسلامية.

الإفقار الروحي للمجموع الإنساني يتطلب ملطفات وجدانية وتربوية وسلوكية إسلامية معاصرة. ما أولوياته حسب رؤيتك؟

يطرح هذا السؤال قضية في غاية الأهمية، حيث إننا في عالمنا الإسلامي بدأنا في السنوات العشر الأخيرة ننجذب على نحو سريع في اتجاه الوضعية الغربية على مستوى الاهتمام وعلى مستوى السلوك والعلاقات.

ومن الواضح في هذا الإطار أن لدينا اليوم ميلًا عامًا إلى التنظير العقلاني والاشتغال بمسائل الفكر، إلى جانب سيطرة الاهتمام بشؤون المال والترفيه، والعيش على أحاديثنا في البيت والشارع والمدرسة... ومن المؤسف أن الحديث عن الذكر والاستغفار والتوبة ونقاء السرائر صار مستغربًا في كثير من الأوساط لدينا. وربما أثار الإشفاق على صاحبه. وهذا تغيير سيئ جدًا في حساسيات المسلم نحو عالم الروح، والقضية في نظري تحتاج إلى أكثر مما يمكن أن نسميه بالمنعشات والملطفات... فتصحر الروح وقسوة القلب وتبلد المشاعر وتدني مستوى الاهتمامات والانغماس في المادة، ليست أمورًا صغيرة، وإنما هي من المسائل الكبرى في الرؤية الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت