فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 292

الوضعية التي أشرنا إليها هي نتيجة طبيعية للنفوذ الهائل الذي تمارسه الحضارة الغربية في العالم الإسلامي. وهي حضارة لا تقيم أي وزن للحياة الروحية والوجدانية من المنظور الإسلامي. كما أنها تساوي على نحو متزايد بين الثروة المادية والقيمة الشخصية للإنسان. وتوهم الصغار والكبار بأن السعادة شيء يمكن الحصول عليه من خلال المال.

أما علاج هذه المشكلة الكبرى، فإنه يجب أن يتم على المستوى النظري والمستوى العملي.

أما على المستوى النظري فإن على المربين والموجهين والإعلاميين أن يثروا الساحة بالأفكار والمفاهيم التي تشجع على إثراء الذات وتنمية الشخصية، عوضًا عن المفاهيم التي تحث الناس على التملك والتمتع والاستهلاك والترفيه.

ويأتي في قمة تلك المفاهيم مفهوم الارتباط بالهدف الأسمى الذي نعيش من أجله؛ إذ إن كثرة مشاغلنا قد تنسينا المهم، وتجعلنا ننهمك في حاجات مؤقتة وتافهة. والهدف الأسمى لوجود كل مسلم هو الفوز برضوان الله -تعالى- وإن كل تحركاتنا وأنشطتنا اليومية وأهدافنا المرحلية يجب أن تساعد على نحو ما على بلوغ ذلك الهدف. وآنذاك فقط سوف نشعر أن لوجودنا قيمة ومعنى؛ كما أن طاقات إضافية سوف تنفجر في أعماقنا مع الأمل ببلوغ النهاية بأمان وسلام.

ومما ينفع في ترسيخ مفاهيم إنعاش الروح وتصحيح مسار المشاعر -صحبة الصالحين الذين لا تسيطر على مجالسهم الأحاديث الدنيوية وهموم العيش.

كما أن من المفيد في هذا الدخول إلى عالم عظماء هذه الأمة من العلماء الربانيين والعابدين المتبتلين من خلال قراءة سيرهم وأخبارهم والتأسي بهم، والتفاعل مع المفاهيم التي كانت توجه سلوكهم.

أما على الصعيد العملي فإنه مما لا خلاف فيه أنه لا شيء ينعش الروح، وينمي مشاعر الإنابة والورع والإقبال على الله -جل وعلا- مثل الأنشطة التعبدية. والمسلم حين يكثر من النوافل بأنواعها لا يدعم الناحية الروحية لديه فحسب، وإنما يرتقي بكيانه كله؛ فالصلة بالله -تعالى- والتي هي الثمرة المباشرة للعبادة لا تغير من مزاج الإنسان فحسب، وإنما تنير له طريق الهداية أيضًا. والشرط الوحيد الذي لا بد منه هو انضباط كل أشكال القربات بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ من طبيعة الأنشطة الروحية أنها تغري صاحبها بنوع من الاندفاع والحماسة وجيشان العاطفة الذي قد يحرفها عن سنيتها، ويدخلها في باب الابتداع، وأحيانًا فيما هو أسوأ!

ما يمكن أن يثري مشاعرنا ووجداننا، ويحرر الطاقات الروحية الكامنة، كثير منه الدعاء والاستيقاظ في السحر شعار الصالحين. وقد ورد في حديث الشيخين أنه إذا كان الثلث الأخير من الليل قال الله -جل وعلا- من يدعوني فأستجيب له،من يسألني فأعطيه، من يستغفر لي فأغفر له. وهذه الفرصة العظيمة لا يضيعها إلا محروم.

ومنه الذكر والاستغفار والتهليل والتحميد والتكبير، حيث إن أثر الذكر في جلاء القلوب عظيم جدًا. وقد فتح الله -تعالى- للذاكرين أبوابًا من الخير العظيم ترغيبًا للناس في الإكثار من ذكره؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه خرج من عند جويرية بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال:"ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم. فقال: والله لقد قلت بعدك كلمات ثلاث مرات، ولو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته".

وهناك إلى جانب هذا الصدقة وصلاة النافلة وخدمة المسلمين وطلب العلم ونصح الناس وتعليمهم... والمهم دائمًا هو الانتظام في ذلك وشعور المرء أنه لا يشكو من جفاف روحي، ولا من بعد عن خالقه؛ سبحانه.

إن من واجب الجماعات والمجموعات أن تولي هذا الجانب الحي من شخصية المسلم الاهتمام الذي يستحقه، وأن تساعد أفرادها بكل وسيلة على صقله وتنميته، حتى يجدوا موارد من الطاقة والعزيمة لأداء الواجبات والكف عن المحارم والاندفاع في أعمال الخير والإحسان.

ثمة ثلاثية خادعة تسيطر على مناحي ومساحات كبيرة من الخارطة الفكرية العربية والإسلامية، وهي (نافق، فارق، وافق) .

كيف نؤسس لعقلية تستوعب الآخر دون تهميشه ودون الاندماج فيه؟

موقف الناس بعضهم من بعض أشخاصًا وأفكارًا، تحدده البنية الثقافية السائدة ويمكنني أن أقول: إن الثلاثية التي ذكرتها -وهي بالطبع ثلاثية مريضة- هي سمة عامة لكل الأمم والشعوب النامية، الإسلامية منها وغير الإسلامية، وذلك لأسباب جلية في أذهان علماء الإنسان والمهتمين بالشأن الثقافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت