فحين تشكل الأمية ظاهرة واضحة في مجتمع ما أو حين يكون مستوى التثقيف متدنيًا، كما هو الشأن في معظم الدول النامية، فإن الذي يوجه مواقف الناس وسلوكاتهم آنذاك هو عواطفهم، وليس أفكارهم بسبب أن العاطفة موجودة لدى الجميع، وليس كذلك الفكر. أضف إلى هذا أن هيمنة (الثقافة الشعبية) تتمدد حيث تنحسر الثقافة العليا. وعلى حين أن الثقافة العليا لدى كل أمة تضع المعايير العقلانية التي تحدد مواقف الناس بعضهم من بعض، فإن الثقافة الشعبية تستهدف أساسًا توفير التضامن الأهلي والتلاحم القبلي والوطني مهما كان بعيدًا عن الحق والصواب. ولا نختلف أن مساحات السيطرة للثقافة العليا في مجتمعاتنا في الوقت الحاضر ضيقة. ودور المثقفين الكبار في توجيه الحياة العامة هامشي. ولا نستطيع هنا أن نغفل ما يسببه الجهل من (عمى الألوان) حيث إن العلم يوسع مدى الرؤية، ويسمح بإمكانية الفهم المتعدد للأشياء والأحداث، على حين أن الجهل يولد التصلب الذهني والرؤية العمشاء، حيث يظن محدود المعرفة أن الناس ينقسمون إلى فريقين: فريق معه وفريق ضده؛ وبما أنه لا يملك المقدرة الكافية على التفريق بين الصواب والخطأ، فإنه يتجه إلى جعل الذين معه على الحق والذين ليسوا معه على الباطل. وحالة النفاق التي أشرت إليها هي نتيجة ضمور الشخصية وعدم وجود ضمانات كافية لإيصال الحق إلى أهله وإيقاف المبطلين عند حدود معينة.
وإيجاد حل لهذه القضية صعب جدًا في ظل التوتر الاجتماعي الموجود الآن، وفي ظل التخلف العلمي الذي نعيشه؛ ولكن على مثقفي الأمة أن يحاولوا إبراز مظاهر العصبية للرأي، والمواقف التي يتجلى فيها التحيز وضيق الأفق وتجاوز الحق والحقيقة، وأن يشجعوا في الناس روح الموضوعية والمصارحة والحوار وقول الحق. وأعتقد أنه قد آن الأوان لأن تقوم مدارسنا وجامعاتنا بدورها في هذا الشأن، فتقرر بعض المواد الدراسية التي تثري ثقافة الطلاب بمبادئ التفكير المستقيم، وتفضح أشكال التفكير المعوج الذي يسيطر على كثير من الناس.
عبر التاريخ الإسلامي اختلط لدى بعض الناس المقدس (القرآن والسنة) بالتاريخي (أقوال وآراء الشراح) مما أدى إلى ظهور أمراض فكرية خطيرة، تجاوزت الدلالات القرآنية وصحيح السنة إلى آراء وأقوال معينة. ما هي الضوابط الفكرية والعقلية للتعامل بمنهجية مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ومع اجتهادات وآراء السابقين؟
لا أعتقد أن القضية التي أشرت إليها هي قضية إسلامية، إنها قضية بشرية عامة، عانت منها الأمم في الماضي، وما زالت تعاني منها في الحاضر. ولا يخفى أن المشتغلين بالقوانين والأمور التشريعية يختلفون اختلافًا واسعًا تجاه تفسير كثير من المواد الدستورية والقانونية، مع أنه أخذ عند صياغتها احتياطات كثيرة لمنع الوقوع في اللبس والفهم المتعدد والمتناقض. وهذا يعود أساسًا إلى أن اللغة ناقل غير كفء وغير شفاف، ودلالة الألفاظ على معانيها غير حاسمة في كثير من الأحيان. وحين تدخل اللفظة في تركيب تعبيري، فإنها تتيح مجالًا أوسع للقارئ والسامع كي يفهم المعنى على غير ما أراد صاحب النص. وفي نصوص الوحي يزداد الأمر تعقيدًا عند إرادة الوصول إلى حكم من الأحكام، حيث يسهم في تقرير ذلك الحكم عدد من النصوص، بالإضافة إلى فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الأمة... وهذا كله يسمح بالتجاوز والخلط.
ولا نستطيع هنا إغفال دور بعض الأمور الجانبية الخارجة عن نظام اللغة في إحداث الخلط الذي أشرت إليه، والتي منها:
1-حماسة العالم أو الكاتب للموضوع الذي يعالجه، تدفعه إلى أن يتجاوز طاقة النص اللغوية والدلالية إلى تقرير معان وأحكام، لا يقررها غيره من أهل العلم الذين يفقدون تلك الحماسة. وكم من عالم قرر بفعل الحماسة قضايا خلافية على نحو يشعر القارئ بأنها مما انقطع فيه الخلاف والجدل. وقد كان الإمام الجويني قد عتب في كتابه (غياث الأمم) على الماوردي أنه أورد في كتابه (الأحكام السلطانية) المسائل الظنية في موارد المسائل القطعية، مع أن أكثر المسائل التي يجري تناولها في باب (السياسة الشرعية) مسائل اجتهادية نظرًا لقلة النصوص في هذا الباب، والذي خصص له الماوردي كتابه.
2-التعصب المذهبي الذي ابتلي به عدد غير قليل من طلاب العلم؛ فقد دفعهم إلى صرف النظر عن الوهن الذي قد يكون في أدلتهم، كما جعلهم يغضون الطرف عن حجج الخصوم، وهذا كله يتم على حساب الفهم الأصيل والدقيق والمتوازن للنصوص.
وقد أدرك علماء المسلمين منذ وقت مبكر المشكلات التي سيقع فيها الناس حيال فهم النص القرآني والنص النبوي، فوضعوا علمًا كاملًا هو علم (أصول الفقه) من أجل تأسيس معقولية لغوية وثقافية، تساعد على إنارة طرق التعامل مع النصوص الشرعية، وتضع ما يحتاجه ذلك من الضبط والتقعيد والتأطير.