وقد اهتم علماء الأصول بتوضيح معاني الحقيقة والمجاز والمطلق والمقيد والمتواتر والآحاد، وما تفيده صيغ الأمر والنهي والاستفهام من معان ودلالات... وفي اعتقادي أن الجهود التي بذلها علماء المسلمين في سبيل ترشيد فهم نصوص الوحي لم تبذلها أي أمة من الأمم، وهي حقيقة مدعاة للفخر والاعتزاز. ومع ذلك فإن التاريخ يحدثنا عن أشخاص كثيرين رفضوا الالتزام بأي قواعد للفهم، وجعلوا قائدهم لذلك الهوى الشخصي والمعطى الثقافي الخاص الذي لا يحتمل أي نقاش جاد، وفي زماننا هذا تصدَّى لتفسير النصوص الشرعية أطباء ومهندسون ومحامون بعيدون عن معاناة اللغة وأصول الفقه، متجاهلين العمل وفق أي أصول استدلالية؛ بل متجاهلين الطاقة اللغوية للنصوص، فجاءوا بالعجائب، ومارسوا دورًا تضليليًا وتخريبيًا مؤذيًا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولا يخفى إلى جانب هذا أن كثيرًا من أدبائنا تأثروا بالاتجاهات النقدية السائدة في الغرب، فأشاعوا في البيئة الإسلامية مفاهيم تقلل من شأن صاحب النص في تحديد مضامينه ودلالاته، كما تقلل من شأن أي ضوابط يمكن أن تؤطر الخلاف في فهمه. وصارت تلك المفاهيم تعطي دورًا أكبر للقارئ والمجتهد في تحديد معاني النص ومراميه، وما يمكن أن يُستنبط منه. إن من شأن وضع كهذا أن يهيئ للدخول في مرحلة من الفوضى الفكرية ومرحلة من الترهل والانفلات في وضعية العلاقة بين النص الشرعي المعصوم، وبين المعنيين بفهمه واستخراج الأحكام والدلالات منه. وعلى كل حال فإن مشكلتنا الأساسية في التعامل مع النصوص ستظل قائمة مع فئتين من الناس: الجهلة وأهل الأهواء. أما إذا تجاوزنا هاتين الفئتين فإن الخلاف بين علماء الشريعة في قضية التعامل مع النصوص ليس بعيد الشقة، وما يجري بينهم من نزاع في ذلك يجري بين كل المختصين وفي جميع العلوم. وأنا مطمئن إلى متانة موقف علمائنا، حيث إنهم كانوا على دراية جيدة بطبيعة الأحكام التي يتوصلون إليها عبر الاجتهاد، ولذا قالوا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب. ومن الواضح أن الله اللطيف الخبير بشؤون عباده قد مهد سبيل الاجتهاد والتفاعل مع النصوص، إذ إن ما كان من مسائل الشريعة ثابتًا لا يتغير بتغير الزمان والمكان -كالعقائد والعبادات- جاء مفصلًا في الشريعة الغراء غاية التفصيل؛ ولذا فإن مناط الاختلاف فيه بين الفقهاء هو الفروع، وليس الأصول. وما كان يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة جاء في الشريعة مجملًا، وليس فيه أكثر من خطوط توجيهية عريضة، والقليل من الضوابط العامة -وذلك مثل طرق إقامة العدل والشورى وإدارة الحياة العامة للأمة- ولذا فإن مجال الاجتهاد والتجديد فيه واسع جدًا، والخلاف فيه لا يضر ما دام في دائرة مقاصد الشريعة ووفق الإرشادات العامة، وما دام يحقق المصالح المرجوة. ومع كل ذلك فإن على علماء الشريعة ألا يقفوا مكتوفي الأيدي حيال ما يحدث، وأن يقوموا بالمبادرة المناسبة. وربما كان مما يفيد في ذلك إغناء علم أصول الفقه بالأمثلة الحديثة، إلى جانب إثرائه بالمؤلفات السهلة، حتى يتيسر فهمه لعدد كبير من الناس، بالإضافة إلى محاولة حسم بعض الخلافات الشكلية أو اللفظية التي تشتت ذهن المطلع عليه. وأعتقد أنه يمكن من خلال الانفتاح على الأسلوبية الحديثة ومن خلال الانفتاح على محصلة البحوث اللغوية الحديثة، تعزيز جهود السابقين في تشكيل آليات جيدة للفهم والتعامل مع النصوص عامة، ونصوص الكتاب والسنة خاصة.
ما معالم الثقافة والفكر الواعي الناضج التي يمكن أن نقتحم بها الألفية الميلادية الثالثة؟
هذا سؤال خطير، والجواب المعمق عليه قد يحتاج إلى كتاب. ولكن لعلي أشير هنا إشارات سريعة إلى نوعية الثقافة ونوعية الذهنية التي نجابه بها المستقبل. إن من المؤمل حقًا أن أمة (اقرأ) لم تعد تقرأ، فنحن في العالم الإسلامي لا نعاني من متوسط أمية يتجاوز نسبة الـ 40% فحسب، ولكن نعاني أيضًا من أن الذين يعرفون القراءة لا يقرأون، وحينئذ فإن علينا أن نتساءل: ما الفرق بين الأمي، وبين شخص يعرف القراءة لكنه لا يقرأ؟
نعاني من هجر الكتاب في زمان تزداد فيه أهمية المعرفة الراقية والمنظمة، حيث يتراجع دور الذكاء في التقدم الحضاري، كما يتراجع دور المال والثروات الطبيعية لحساب ما يملكه الأفراد، وكذلك الأمم من دوافع واهتمامات وأفكار ونظم ومعلومات. وسيظل معظم المسلمين يعانون من الفقر والضنك وذل الوقوف على أبواب الآخرين ما لم يغيروا نظرتهم للمعرفة، وما لم يستعيدوا ما فقدوه من حب القراءة والبحث والاكتشاف. وعلينا في هذا المقام أن نعترف أن مؤسساتنا التعليمية بكل مقوماتها أخفقت إخفاقًا مريرًا في إرساء تقاليد الثقافة، تمجد الكتاب، وتدفع الناشئة إلى اعتبار العلم السلاح الأمضى في مواجهة تحديات الحياة.
دعنا الآن نوصّف بإيجاز شديد نوعية الثقافة التي نحتاج إليها -كما قلت- في اقتحام الألفية الثالثة، ثم نصير إلى توصيف نوعية العقلية التي يجب أن تتمثل تلك الثقافة وتتفاعل معها.