فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 292

سيظل الرقي المعرفي شيئًا نسبيًا، وما دمنا في زمان يشهد انفجارًا معرفيًا هائلًا، فإن السعي إلى الاستزادة من العلم يجب ألا يتوقف في يوم من الأيام؛ إذ إن من شأن البنى المعرفية الموجودة لدى أي أمة أن تفرز على نحو دائم نقائصها وعقابيلها، كما تفرز الأسباب والمحرضات التي تحفزها على الاتساع والنمو.

لا يخفى أن هناك قدرًا من المعرفة يعد ضروريًا لصحة إيمان كل مسلم، كما أن هناك قدرًا ضروريًا من العلم لاستقامة عباداته ومعاملاته وعلاقاته وتحديد أهدافه الكبرى. وهذا القدر ضروري لكل مسلم مهما كان تخصصه ومهما كان عمله. والمفترض أن توفر التربية البيتية والمناهج المدرسية هذا اللون من المعرفة في المرحلة الابتدائية والمتوسطة.

إن الأصول التي يجب أن تدور معرفتنا في فلكها لا تقتصر على الأصول العقدية والتشريعية، وإنما تتسع لتشمل الأصول والفروض الحضارية التي تساعد أمة الإسلام على الالتزام بدينها وعيش عصرها بكرامة وكفاءة، من نحو العدل والحرية وكرامة الإنسان وحقوقه، وتكافؤ الفرص والإبداع والاعتزاز بالانتماء الإسلامي، والتحصن ضد استلاب الشخصية وما شاكل ذلك مما هو أساسي ومحوري في تبلور ذاتية الأمة وتحقيق ولايتها على نفسها. ثم إننا بوصفنا أمة مسلمة تدين لله بالعبودية، فإن من المهم ألا يسود فينا أي لون من ألوان المعرفة التي تخدش الانتماء لهذا الدين، أو تصطدم بإطار من أطره العامة، أو تشوه الرؤية العامة للأمة في تعاملها بعضها مع بعض، أو في إدراكها لأهدافها وواجباتها.

من خصائص المعرفة المطلوبة لاقتحام الألفية الثالثة (التوازن) ، والذي نعني به عدم التركيز على جانب من جوانب المعرفة، وإهمال الجوانب الأخرى، ونجد في هذا الإطار أنماطًا عديدة، ولا يخلو كل نمط منها من شيء من الخلل.

كثيرًا ما يحدث أن يركز بعض طلاب العلم على النقل المحض، وتكديس العلوم والأخبار دون أي محاولة لفقهها أو الاستنباط منها وتوظيفها في بلورة رؤية حضارية معاصرة. في الوقت نفسه نجد من يعتمد على العقل والتجربة ومعطيات الدراسات الحديثة في تكوين الرؤى والأحكام دون أي محاولة لدعمها بالنصوص، ودون السؤال عن مدى ملاءمتها لأطر الشريعة الغراء ومبادئها الأساسية. بعض طلاب العلم يعتمد في توجهه الثقافي وبناء هيكله المعرفي معطيات محلية بحتة، ولا يحاول تطعيمها بخبرات الآخرين ومعارفهم، فيضيق على نفسه واسعًا، ويحرم فكره من كثير من التفتح والتجدد. ونجد في جوار هذا الصنف من انغمس في الثقافة الغربية، وظن أنه سوف يستخرج منها الدرر ونوادر الأفكار، مع أن كثيرًا من ذلك موجود بصورة واضحة ومؤصلة في تراثنا وأدبياتنا.

نحن بحاجة إلى معرفة تستفيد من الخبرة الإنسانية كاملة، مع نوع من الانفتاح وممارسة النقد الذاتي في إطار أصولنا ومبادئنا ورؤانا الكلية. ونحن مع هذا مطالبون في أن نكون صرحاء في نسبة الفضل لأهله ولو كان عدوًا لنا؛ ولو كان ذلك سيضعف موقفنا أمامه. ولا ينبغي أن يمنعنا جحود الجاحدين -من الغربيين وغيرهم- من أن نشيد بالأفكار والإسهامات الممتازة كائنًا من كان مصدرها؛ فالمسألة ليست مسألة مصلحة وإنما مسألة مبدأ، كما قال الله -جل وعلا-:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [المائدة:8] .

هناك سمة مهمة للمعرفة المنشودة هي سمة (التجريب) والنزوع نحو محاورة الطبيعة. وهذه السمة جزء أصيل من المنهج العلمي الإسلامي.

وحين أخذنا بذلك المنهج حققنا تقدمًا علميًا ضخمًا في مجالات الكيمياء والفيزياء والفلك والطب والجغرافيا... ولكن يبدو أن السابقين لم يستوعبوا بشكل جيد مرامي المنهج الإسلامي في الحث على السير في الأرض، وإجراء التجارب واستخلاص المعرفة منها، ومن ثم كان التراجع عن ذلك المنهج سهلًا. وقد أدى التراجع عن التجريب في البحث -مع أسباب أخرى- إلى جمود الواقع الحضاري، ثم تدهوره، وصعوبة النهوض به بعد ذلك. ولست أعرف اليوم سبيلًا لتحريك المعرفة لدينا وفتح نوافذها للتجديد سوى الاتجاه نحو التجربة واستقراء الواقع عن طريق الإحصاء والمقارنة والاهتمام بجزئيات الوقائع وربطها بأصولها، ثم استخلاص الأحكام والنتائج منها، وذلك يساعدنا على فهم أفضل لسنن الله في الخلق، وتلمس وجوه الانسجام بين الكتاب المقروء (القرآن) والكتاب المفتوح (الكون) بكل ما فيه.

لن يحدث شيء من هذا إلا إذا أدركنا أن التقدم التقني بات يشكل مفصلًا مهمًا من مفاصل حياة الأمم. ولن يحصل شيء من ذلك التقدم إلا من خلال البحوث الأساسية والتطبيقية ومن خلال الاهتمام بالواقع. ومشكلة الأمة في التعامل مع كل أشكال المعرفة أن من طبيعة التخلف أنه يمد الناس عادة بأجوبة وهمية، ويضعف شهيتهم نحو التساؤل مما يجعلهم يشعرون بالامتلاء الكاذب، ويتجشأون من غير شبع

لا يمكن للمعرفة أن تظل معاصرة وحية وفاعلة إذا لم تكن متجددة ومواكبة للإنتاج العلمي والثقافي المتجدد؛ فالتغيرات المتسارعة في البنى الثقافية المختلفة، جعلت الشيخوخة تدرك المعلومات وهي في عز صباها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت