فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 292

وتفيد بعض التقديرات أن نحوًا من 90% من المعلومات قد تم تحديثه خلال العقود الثلاثة الماضية.

إن تقادم المعلومات يتجلى في أشكال متعددة، فتارة يتجلى في زيف المعلومة أو عدم دقتها، وتارة في عدم ملاءمتها للخطط الجديدة، وأحيانًا بتحول الاهتمام عنها، لأنها لم تصبح ذات قيمة في البناء المعرفي الجديد... ولا ريب أن المعلومات الأساسية في كل فن تستعصي على التغيير السريع، لكن ليس هناك أي وسيلة لصونها من القراءة الجديدة والتي قد تغير بالتالي الكثير من دلالاتها ومعطياتها. كما أن توظيفًا جديدًا للمعلومات القديمة قد يغير في النتائج المستقاة منها. هذا يعني أن من الواجب على كل واحد منا أن يتابع الاطلاع والقراءة المنظمة الواعية؛ حتى لا يشعر في يوم من الأيام أن المعلومات التي لديه صارت بمثابة نقود سُحبت من الأسواق، ولم تعد صالحة للتداول.

لا أريد أن أتوسع أكثر من هذا في هذه النقطة؛ ولكن أحب أن أقول: إن ممارسة الاطلاع على نحو جيد سوف تساعد كل واحد منا على تعريفه على حاجاته المعرفية؛ ولكن لن نقرأ بحماسة وعمق وجدية إلا إذا قرأنا بنية الإضافة إلى المعرفة وإثرائها، أي إلا إذا كانت القراءة لدى الواحد منا جزءًا من مشروع كتابة.

أما توصيفي للعقل الواعي الناضج الذي ورد في سؤالك فإنه يتلخص في النقاط الآتية:

1-العقل الناضج هو العقل الذي مر بالكثير من حالات التدريب والتجريب والصقل؛ مما جعله في النهاية يمتلك عددًا من المفاهيم المترابطة والممتازة التي تمكنه من التعامل الراشد مع الأشياء والأحداث والأشخاص.

والنضج العقلي لا يأتي في حقيقة الأمر من كثرة المفاهيم التي يمتلكها الواحد منا، وإنما من نوعية تلك المفاهيم. ومن المؤسف حقًا أن مدارسنا وجامعاتنا، لا تولي مسائل تكوين الشخصية، ومسائل تكوين العقول الواعية أي اهتمام يذكر. كما أن معظم الأسر الإسلامية غير مؤهلة على النحو المطلوب للقيام بدورها التربوي، ولا سيما ما يخص تنمية العقلية وتصحيح التصورات لدى الأطفال والفتيان.

2-ليس من المبالغة القول: إن إنسان العصر الحديث مشرق الوجه مظلم الروح، كثير الذكاء قليل العقل. وهذه مفارقات مزعجة، لا تنم عن نضج متزايد كما قد يظن- كما لا تدل على أن وعينا بالصورة الكلية للوجود قد بات على ما يرام. العقل في عمق ثقافتنا لا يعني القدرة على الاكتشاف بمقدار ما يعني طاقة جيدة على تحقيق التوازن الشخصي وتوازن المرء مع بيئته إلى جانب انسجام سلوكه مع مبادئه وأهدافه. وبهذا الاعتبار فإن التقدم التقني المذهل الذي نشاهده اليوم لا يبرهن على وجود تقدم حقيقي مؤطر بالعقل والحكمة؛ ذلك لأن تجسيدات الذكاء البشري ومنتجاته لا تتصل بمفاهيم الاستقامة والانحراف والسعادة والشقاء، والحياة والموت. بل إن الأمر صار أكثر سوءًا، حيث يتم تحييد العقل والمنطق من اعتبارات قبول كثير من المبادئ والأفكار. وصار الاهتمام منصبًا على مدى ما تحققه من سد للحاجات وتلبية للرغبات. وهذا لا يخلو من الانزلاق إلى الهمجية والبربرية، وصار على الدعاة والمثقفين أن ينبهوا الناس إلى الأخطار التي تحيق بهم من خلال الصدوع والشروخ بين الذكاء وطروحاته، والعقل ومقتضياته؛ أي من خلال انفلات الذكاء من ضوابط العقل ومقتضيات التناسق العام.

3-لا بد أن نبحث عن الآليات التي تمكن المسلم المعاصر من امتلاك المفاهيم التي تساعده على أن يفكر تفكيرًا يلتصق بالحقائق بعيدًا عن الأهواء الداخلية والضغوطات الخارجية، وهو ما نسميه بـ (التفكير الموضوعي) ومن أهم المفاهيم التي يشتمل عليها هذا النوع من التفكير: التحرر من سيطرة الأهواء، وعدم التعامل مع الأمور الظنية على أنها أمور قطعية، بالإضافة إلى إنصاف الناس، وعدم هضمهم حقوقهم، ونبذ التقليد والإبائية، إلى جانب احترام التخصص ومراعاة الدقة في إطلاق الأحكام، والبعد عن التعصب للمذهب أو الجماعة، ورفض التزيد والمبالغة، وعدم الوقوع في فخ تفسير أحداث الكون على أنها أجزاء من مؤامرة كبرى تستهدف الإسلام والمسلمين، وعدم إسقاط القاعدة بالمثال الشاذ... ولا بد أن نعلم أن الموضوعية المطلقة شيء غير موجود، وذلك لأسباب إنسانية وفنية. وكل ما نستطيع أن نفعله هو الاستمرار في المجاهدة حتى نحصل على أكبر قدر من الفهم الموضوعي، وأقل قدر من الانصياع لأهواء الذات. ونحن من خلال الاعتراف بالتقصير، ومن خلال الانفتاح والإنصاف والحوار ورؤية الأشياء بعيون عديدة، ومن زوايا مختلفة نستطيع -بمعونة الله تعالى- أن نبصر مواقع أقدامنا، وأن نعرف مدى موضوعية رؤانا وأحكامنا ومواقفنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت