4-نحن نخاف من الجديد، ونحار في التعامل معه، وننقسم تجاهه ونتشرذم. وهذا كله طبيعي، لكن علينا أن ندرك أن من الخطأ أن نفرح بكل جديدة، ونمنحه تأشيرة دخول نظرًا لحداثته. كما أن من الخطأ تقديس القديم لا لشيء إلا لقدامته؛ فنحن مسلمون نحكم عن الأشياء من واقع انسجامها مع مبادئنا ورؤيتنا العامة للحياة بقطع النظر عن تاريخها. وعلينا بعد هذا أن نحاول الحصول على رؤية مركبة للأحداث والمعطيات الجديدة؛ فنرى وجهها المشرق، كما نرى وجهها المظلم. وفي تصوري أن الجديد هو دائمًا مزيج من الخير والشر، ومزيج من الفرص والتحديات والتعقيد والبدائل، فخبرة البشرية تقول: إن كل أزمة تمنح فرصة لمن كان في الموقع الصحيح. وإنه ما يغلق باب إلا ويفتح باب آخر، لكن قصورنا الثقافي والتربوي، يجعلنا ننشغل بالباب الذي أغلق عن الباب الذي فتح، ومصداق هذا في قول الله -جل وعلا-:"فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا"ولذا فإني أرى أن فرص العمل أمام الشباب لا تظهر للعيان، لعدم وجود الناس المؤهلين لشغلها. وعلى هذا فإن معاناة الناس من البطالة لا تعود إلى عوامل اقتصادية، فحسب، وإنما تعود أيضًا إلى تقاعس الناس عن النهوض للتكيف مع الفرص الجديدة.
ليس من السهل أن نحيط بكل ملامح العقل الجيد وشروطه، ولذا فإني أنصح بتكثيف القراءة في هذا المجال؛ فالهوة التي بيننا وبين الأمم الأخرى تتسع، وإن من شروط سدها تكوين بنية عقلية ممتازة، تدرك شروط العيش في زماننا، وتعرف كيف تستجيب لتحدياته.
كثر الحديث اليوم عن الإيجابية والإنسان الإيجابي، فما رؤيتكم لهذه القضية؟
كثير من المسلمين -ولا سيما المثقفين منهم- يشعرون بانسداد الآفاق، ويسيطر عليهم الإحباط والإحساس بالقهر، وذلك نتيجة سوء الأحوال السياسية والاقتصادية والأخلاقية... ونتيجة تدهور مكانة الأمة بين الأمم الأخرى. ولذا فإن أكثر أحاديث الناس في مجالس السمر وأوقات الفراغ يتمحور حول الشكوى من سوء الأحوال، وحول غرائب وعجائب ما يفعله بعض الناس، مما لا يمت إلى الإسلام أو العروبة أو الإنسانية بأي صلة. ولا يخطر في بال أحد منا أن يراجع حصيلة ذلك، وهل دفعت بالأمة أي خطوة نحو الأمام؟
صحيح أنه لا بد للمصدور أن ينفث -كما قالوا- ولكن سيكون من الخير للمصدور أن يبحث عن علاج لعلته أيضًا عوضًا عن الاستمرار في رفع العقيرة بالتأوه والتوجع. مهما ساءت الأحوال، فستظل هناك هوامش للتحسن والتقدم. ومن واجب الدعاة والمثقفين عامة أن يشتغلوا بتوليد الأفكار والنظريات التي تدل الناس على الطرق المفتوحة، وتساعدهم على تجاوز اليأس الذي يسيطر عليهم. وأعتقد أن كل نظرية توصل الناس إلى طريق مسدود هي نظرية خاطئة، أو لا يصح أن تسمى أصلًا نظرية؛ فنحن نعتقد أن الله -جل وعلا- ما أنزل داء إلا أنزل له دواء؛ كما ورد في الحديث الشريف.
الإيجابية صفة مغايرة للسلبية. وإن من المؤسف حقًا أن يفهم بعض الناس الإيجابية على أنها تعني نوعًا من الاستسلام للخصوم أو التنازل عن المبادئ، أو التراخي في الاستمساك بالحق. إن هذا تشويه غير مقصود لهذا المعنى العظيم!
الإيجابية في نظري تعني الآتي:
1-القدرة على التحكم بالعواطف، حيث يستطيع الإنسان الإيجابي من خلال تحكمه بعواطفه تجاوز خطوط الغريزة. وهذا التجاوز يعبر في اتساع مداه عن مدى استطاعة صاحبه تحقيق إنسانيته من خلال بعده عن (الحيوان) الذي لا يستطيع السيطرة على غرائزه، ولا تأجيل رغباته، والذي لا يقوى أيضًا على المخاطرة... ونعني بالسيطرة على العواطف أن يلبس المسلم لكل حالة لبوسها؛ إذ ليس من الإيجابية أن يحمل الموظف هموم بيته ومشكلاته الخاصة إلى مكتبه أو مدرسته؛ فالأداء الكفء يتطلب موظفًا في أحسن أحواله وأعلى درجات لياقته النفسية والبدنية والعكس صحيح. والحصول على هذه الوضعية يتطلب تدريب العاطفة، وتقوية آلية الضبط الداخلي.
2-الفهم العميق لتحديات العصر ومطالبه وأشكال الاستجابة المطلوبة للعيش فيه، إلى جانب الشعور بالقدرة على التغيير. تغيير النفس وتغيير المحيط وتغيير الرؤية للأشياء. وينطلق الشعور بإمكانية التغيير وضرورته من خلال إدراك أن الله -تعالى- قضى على الكون بالتقلب والتحول، وأن يظل في حالة من الصيرورة المستمرة، كما ينطلق أيضًاَ من مبدأ ضرورة الاستفادة من التجارب السابقة حلوها ومرها، ومن مبدأ ضرورة الانتقال من العمل الخارج عن دائرة الوعي إلى مرحلة استلهام الحق والخير والفضيلة، وتمثلها في السلوك الجديد.
إن الرتابة نوع من العدم، وإن الاستسلام للأخطاء والقنوع بالحالة الحاضرة نوع من الخروج من المحيط الحي إلى محيط الجماد.
3-الصحة النفسية ركن أساسي من أركان الإيجابية؛ إذ لا يمكن للمرء أن يكون في وضع إيجابي وهو يشعر بنوع من (السأم الوجودي) ومن ثم كان لتزكية النفس وتنقية السرائر المكانة العظمى في الإسلام.