فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 292

ما من إنسان إلا يعتريه أوضاع يفقد فيها لياقته النفسية، لكن المهم ألا يستمر ذلك، ويصبح صفة ملازمة له. وللخلاص من تلك الحالة شرع الله -تعالى- التوبة لغسل الشعور بالذنب، وشرع كذلك النوافل وأعمال الخير والبر من أجل تجاوز المصالح الضيقة إلى أفق أرحب، ومن أجل تجديد المعاني الروحية، ونفض غبار التقاعس والخمول عن نفس المسلم.

4-الإنسان الإيجابي يتمتع برؤية جيدة للفرص المتاحة مهما كانت محدودة، ولذا فإن شعاره الدائم: أعمل ما هو ممكن الآن، ولا أنتظر تحسن الظروف والإمكانات. إن الإنسان الإيجابي يعتقد أن مباشرة الممكن توسِّع دائرة العمل وتذلل عقباته. ومن خلال مباشرة الممكن يصبح ما هو مستحيل وعسيرٌ اليومَ ممكنًا وسهلًا غدًا.

5-لا يكون المسلم إيجابيًا إذا لم يملك روح المبادرة الفردية. وفي نظري أن المبادرة الفردية كثيرًا ما تكون في منزلة سفينة النجاة في حالة انحطاط الأمم. تعني المبادرة الفردية تجاوز أفراد من الأمة لمستواها العام ولسقف حيويتها واندفاعهم نحو تحقيق ما يتمنى الناس حصوله، لكنهم يفقدون العزم والإرادة للبدء به. وقد علمتنا التجربة أن معظم الناس يحبون الخير، ويقدرون فاعليه، وهم على استعداد للمشاركة في مشاريعه، لكن المشكلة الكبرى هي أن المستعدين منهم لخطو الخطوة الأولى، ووضع أول لبنة قلة قليلة. وهذه القلة هي ملح المجتمع وبركته. المبادرون هم أناس يحبون الخير، ويثقون بأنفسهم، ويحبون خدمة جماعتهم. وهم إلى جانب ذلك مستعدون لتحمل نتائج مبادراتهم، وما قد تجره عليهم من مشكلات ومتاعب، على حين أن باقي الناس يرفعون شعار: (ليبدأ غيري) وشعار: (علينا أن ننتظر النتائج) ! ليسأل كل واحد منا نفسه: كم مبادرة خيرة في رصيده، وليحاول تبين موقعه في هذه المسألة.

الملاحظ في كتاباتكم التركيز على فكرة الاستجابة للتحديات عوضًا عن الانهزام أمامها. فما الذي تحبون أن تقولوه لقارئ المنار في هذه القضية؟

من غير الوعي العميق بطبيعة الحياة، ومن غير معرفة جيدة بسنن الله -تعالى- في الخلق فإن الناس يندفعون بفطرتهم نحو التكيف مع الصعوبات التي يواجهونها. وذلك التكيف غالبًا ما يكون سلبيًا حيث يتراجع معظم الناس تجاه التحديات، ويتخذون منها ذريعة للتكاسل والتقاعس. وقد كان هذا في الماضي، وما زال مستمرًا لدى أناس كثيرين. لكن بدأ اليوم يتبلور لدى بعض الأمم مفهوم (التحدي والاستجابة) ، حيث صار كثير من أبنائها يتلمس فهم قوانين ردود الفعل كما يتلمس قوانين الفعل. وتحولت الرؤية للصعوبات والمحن، فلم تعد مصدرًا لشقاء لا ينتهي، وإنما صار ينظر إليها على أنها ربما كانت نعمًا يؤدي فقدانها إلى الترهل والموت والاندثار. وقد قال أحد كبار السن: كنت أحلم باليوم الذي أترك فيه وظيفتي، وأخلد فيه إلى الراحة التي لا يعكر صفوها الجدل مع الناس والجلوس الطويل خلف المكتب في العمل. وحين نلت ذلك أدركت قيمة ما فقدته، حيث صرت أعاني من نفسية الاسترخاء والإهمال، وتبدد الكثير من علاقات الزمالة وعلاقتي الاجتماعية، وصرت أشعر أكثر فأكثر أن الحياة ليست بحاجة إليّ! إن هذا الرجل بعد أن ترك عمله فقد الفضائل التي كان يتمتع بها من وراء العناء الذي كان يجده في عمله اليومي. حياة الرخاء والعيش السهل كثيرًا ما تخون أصحابها؛ لأنها لا تولِّد المثير الذي يحفزهم على الإبداع والتطوير. ويذهب بعض الباحثين إلى أن من الأسباب المهمة لتخلف أفريقيا عدم وجود تحديات تدفع الأفارقة إلى العمل، فقد كان الماء والغذاء متوفرين، ومع اعتدال المناخ لم يكن الناس يشعرون بالحاجة إلى وقود للتدفئة.

ووفرت لهم الغابات سهولة منقطعة النظير لبناء المساكن والعشش والأكواخ. هذا كله جعل الإنسان الأفريقي يشعر ألا شيء يدعو إلى العجلة، ولا إلى الكد والنصب ما دام الحد الأدنى من الحياة متوفرًا.

العلاقات الجدلية تقتضي دائمًا التنافس والتعاون، فحين تصطدم فكرة بفكرة يتولد عنها فكرة ثالثة هي أعلى منهما مستوى، حيث تكون قد تجاوزتهما معًا، وصارت خلاصة لأجمل ما فيهما. علاقات التنافس والتعاون هذه تتم في نطاق توازنات مستمرة لا غنى للحياة عنها، ومنها تولدت مفاهيم كثيرة في القرن التاسع عشر، منها: التكيف والصراع من أجل الحياة، والتوتر والمقاومة والمجابهة والأزمة واستيعاب وجهة نظر الآخر والكمون والتجاوز والهروب والاختيار والتنازل. وقد استطاع (توينبي) المؤرخ الإنجليزي المشهور أن يستثمر المحصلة التي توفرت لدى البشرية نتيجة نظرية التحدي والاستجابة في تفسير نشوء الحضارات وتحللها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت