وأدرك توينبي أن التحدي الشديد يكون عميقًا؛ لأنه يخرج من كونه تحديًا إلى كونه شيئًا معجزًا أو محبطًا. كما أن فقد التحدي يؤدي إلى الذبول والترهل. ومن ثم نشأت فكرة (الوسط الذهبي) وهو عبارة عن مجموعة الظروف التي تحرض الناس على العمل دون أن تشكل عائقًا كبيرًا في سبيل وصولهم إلى ما يريدون. ومن هنا أيضًا نشأت فكرة ضرورة قيام الدولة ببناء المرافق العامة من طرق ومطارات ومدارس ومشاف... حتى تؤمن للناس المناخ الذي يساعدهم على الانطلاقة الصحيحة. لكن مع هذا لا بد من القول: إننا في اللحظة التي نكتشف فيها تحديًا من التحديات نجد أنفسنا شبه عاجزين عن القيام بأي شيء، كما يجد طفل في الخامسة من عمره نفسه عاجزًا عن كتابة اسمه قبل أن يدخل الروضة. لكن حين نستخدم ما لدينا من فكر، ونحرك وننظم ما لدينا من إمكانات فإن صعوبة المواجهة تتراجع، ويصبح تجاوز التحدي أسهل شيئًا فشيئًا.
من هنا فإن المطلوب منا أن نحمد الله -تعالى- على الشدائد، لأنها تفتح لنا دروبًا للرقي والتقدم والعمل قد لا نجدها في حالة اليسر. وإذا عمقنا النظر في تاريخ البشرية وجدنا أنها كانت تتقدم عن طريق الأزمات والشدائد أكثر من تقدمها عن طريق الرخاء وسهولة الحياة. وكل مرادي من هذا أن نحاول تأسيس عقلية المواجهة للصعوبات، وأن نطرد روح الاستخذاء والهزيمة التي تسيطر على كثير من الناس بمجرد أن يجدوا أنفسهم وسط صعوبات شديدة. لو أن نبينا -عليه الصلاة والسلام- استسلم للضغوط الشديدة والمغريات الكبيرة التي لاقاها في مكة إذن لوئدت الدعوة في مهدها، ولكن صلابته الشديدة واستمساكه المطلق بمبادئه وصبره المنقطع النظير على البلاء... فتح له ولهذه الأمة أبوابًا من الخير ستستمر -إن شاء الله تعالى- إلى يوم القيامة.
إني أنصح نفسي وإخواني بمحاولة التقليل من الشكوى والتأفف قدر الإمكان، والانصراف إلى العمل الإيجابي المثمر مهما كان صغيرًا؛ ومن خلال الأعمال الصغيرة المتراكمة تنهض الأمة، ويتغير وجه الحياة، لكن ذلك يحتاج إلى وقت، وعلينا أن نتعلم كيف نعمل على النفس الطويل.
هل توافقون على أن معظم كتب التربية لم تتعد كونها حشدًا مكثفًا من الدلائل والشواهد والنقول، وتفتقر إلى البرامج الواعية، والقنوات الناقلة لأهل زماننا؟
علوم الإنسان في العالم عامة -ولدينا خاصة- لم تتقدم بالشكل المطلوب؛ نظرًا للتعقيد البالغ الذي يواجهه كل من يشتغل بها، وأيضًا لقلة الاستثمارات في البحث العلمي المتعلق بها. وفي هذه الحال فإن التحليل العميق يكون ضعيفًا، مما يدعو الناس إلى الاتجاه إلى حشد القصص والحكايات والأمثلة التي تشير إلى بعض المعاني التربوية، لكن جدوى ذلك مع ضعف البنية المفاهمية ستكون قليلة. التربية في نظري تعني تنمية الجوانب المختلفة في شخصية الطفل من أجل تأهيله ليحيا الحياة الطيبة التي تليق بالمسلم الحق. ولذا فإن على الباحث التربوي أن يأخذ في تحديده للأهداف التربوية، وفي توليده للمفاهيم والأساليب التربوية بعين الاعتبار المعطيات الجديدة في المجالات السياسية والاجتماعية والمعيشية... لأنه يسعى أساسًا لتوفير بنية معرفية يعتمدها المربون في البيوت والمدارس في تربية جيل ينشأ ويعمل في أجواء تلك المعطيات.
الحقيقة أن معاناتنا التربوية ذات رؤوس عديدة، لكن أهمها ثلاثة:
1)ضعف ما ينفق على البحث التربوي، وقلة أعداد الباحثين في مجالات التربية. وهذا لا يشكل استثناء من وضعيتنا العامة، حيث إن ما ينفق على البحث العلمي في العالم الإسلامي، لا يشكل أكثر من 5% مما ينفق في الدول المتقدمة! وهذا يؤدي إلى أن نعتمد على البحث التربوي الذي يقوم به الآخرون، وذلك يسبب لنا مشكلات كثيرة بسبب اختلاف كثير من منطلقاتنا ومفاهيمنا الكبرى عما هو سائد في الغرب، وبسبب اختلاف البيئة أيضًا، مما يؤدي بالتالي إلى اختلاف نوعية الأدواء ونوعية العلاج أيضًا.
2)وجود فجوة كبيرة بين الباحثين التربويين وبين المربين في البيوت والمدارس؛ فنحن لا نملك الأطر والآليات التي تحول البحوث التربوية إلى مشروعات وبرامج، تعمل عليها الأسر والمدارس.
3)هناك إعراض عام من قبل معظم الآباء والأمهات عن الاهتمام بالثقافة التربوية ظنًا منهم أنهم يستطيعون القيام بواجباتهم التربوية بالأسلوب نفسه الذي مارسه آباؤهم من قبل.
ولذا فإن الأخطاء التربوية ما زالت تتكرر عبر قرون كثيرة؛ لأن الجيل اللاحق ورثها عن الجيل السابق. وإنها لمفارقة مؤلمة أن ترى الرجل في دولة متقدمة إذا اشترى طائرًا أو قطًا اشترى معه كتيبًا يرشده للأسلوب الأمثل في تربيته وتغذيته... على حين أنك تجد لدينا من أنجب عشرة من الولد دون أن يقرأ أي كتاب في التربية، أو يستمع إلى أية محاضرة، أو يسأل أي متخصص في التربية، مع ضخامة العمل التربوي الذي تصدى له!!