فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 292

والخلف لا يكتفي عادة بالتلقي الأصمّ عن السلف لكنه ينشئ من الفلسفات والمقولات والخرافات ما يمنح ما ورثه - من تقاليد - القداسة والاحترام مما يجعلها محورًا للمنظومات العقدية والفكرية والرمزية والتاريخية ! وهذا كله طبيعي ؛ لأنه في حالة اندراس معالم المنهج تصبح السوابق التاريخية هي المنهج ، ومن ثم كان من مهمات المصلحين وضع السوابق التاريخية في إطارها الصحيح .

ماذا تعني الآبائية ؟

ليس كل ما يرثه المرء عن آبائه وأجداده رديئًا - لأنه لا يوجد جيل مختص بالرذائل - لكن الرديء هو أن نفقد القدرة على الحكم على تلك الموروثات ، ونُحلها محلَّ القبول والاقتداء ! وإذا تأملنا قضية التقاليد الموروثة وقبولها دون تبصُّر ولا تمييز وجدنا أنها تعني أمورًا عديدة منها:

-إن الإنسان قادر على امتلاك منهج يُسَيِّر حياته من خلال خبرته التراثية دون مرشد خارج عن حدود ذاته ، وهذا ما نجده واضحًا في جواب المترفين للرسل حين قالوا لهم: { أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ؟ } [الزخرف 24] ، وكان الجواب: { إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف 24] . وفي هذا الجواب القاطع الخالي من أي تدليل أو برهان توصيف آخر للآبائية هو أن التقليد وإن بنى حوله بعض الفلسفات التسويغية إلا أنه يظل مع الدليل والبرهان على طرفي نقيض ، فهو ظاهرة لا دليل لها سوى وجودها فحسب !

ومما تعنيه الآبائية أن البشر امتلكوا ناصية الحقيقة كاملة فيما يتعلق بشؤون حياتهم الاجتماعية . والشعور بامتلاك الحقيقة مع أنه غير صحيح إلا أنه يدفع إلى الجمود ؛ لأن حركة الفكر والعلم لا تنشط إلا عند الإحساس بأن هناك حقائق خافية أو مشكلات تحتاج إلى حل . ومن هنا كانت متابعة الآباء والأجداد من غير ميزان عبارة عن حركة إلى الوراء تصادم منطق التاريخ ، وتجعل أصحابها مخلفين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ! وإذا كان المنهج الحق يسعى إلى تجديد ذوات معتنقيه ونقدها واستيعاب العظات والعبر من حياة الأولين فإن الآبائية تعني تعطيل تراكم الخبرة البشرية وتقويمها ؛ لأن ذلك يخلُّ بالمكانة التي أنزلوا آباءهم فيها !

وتعني الآبائية أيضًا إحالة العادات والأخلاق إلى إطار مرجعي لا منطقي ومتحجّر ، يحكم الناس في حالات اجتماعهم ، ويتيح لهم الانطلاق الحر في خلواتهم ، أي: يؤسِّس الحياة على نوع من الازدواجية ، على حين أن الدين يجعل الوازع الداخلي أساسًا للانضباط الفردي والجماعي . وإن التفسير المستمر في كل شؤون الحياة يجعل تقليد الآباء فارغًا من مضامينه في أحيان كثيرة ، فإذا كان الآباء يتقلدون السيف - مثلًا - لمواجة حيوان مفترس ، فما معنى حمل الأبناء له وهم يركبون الطائرة ؟ ! وإن الآبائية بعد هذا أو ذاك توجد نوعًا من الانحباس الاجتماعي المصادم لسنّة التغيير التي بثها الله - تعالى - في الكون ، ومن ثَمَّ فإن الانغلاق على مواريث بالية لابد أن يعقبه انفلات غير متزن يطيح بصالح الموروثات وطالحها .

المصلحون والآبائية:

لا نبعد النجعة إذا قلنا: إن الآبائية هي أخطر مشكلة واجهت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتواجه أتباعهم من المصلحين على مدار التاريخ حيث تمتلئ الساحة الاجتماعية بتركة الآباء ومخلفات الأجداد مما يجعلهم يحتاجون إلى تزييف الموروثات أولًا ، ثم إحلال المنهج الرباني محلها . وإن حملة الهدى الرباني يصطدمون بالآبائيين صدامًا مباشرًا حيث يرون أن ما بأيديهم من الهدى يجعل التراث مملوكًا خاضعًا للمحاكمة على حين يرى الآبائيون أن التراث هو مالكهم والقاضي في حياتهم لا المتهم !

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل بإمكان البشر الفرار من الارتهان للماضي بدون منهج منفصل عن خبرة الإنسان ، أي: لا زماني ؟ الواضح أن ذلك غير ممكن ؛ لأننا باعتبارٍ ما جزء من الماضي ومكوناتنا الثقافية أكثرها موروث ، فنقده وتجاوزه بمبادئ وأدوات منه غير ممكن . ونحن حينئذ كالجرَّاح الذي مهما كان ماهرًا فإنه عاجز عن استئصال زائدته أو مرارته بنفسه ! وعلى المهتمين بصلاح الأمة الغيورين على مستقبلها أن يخوضوا معركتين في آن واحد: معركة الحياة العامة وتنقيتها من الرواسب والشوائب التي تولدها حركة الأيام ، ومعركة داخلية في مجال الحياة الفكرية ، وما فيها من مشكلات التجديد والتقليد والاجتهاد وحدود سلطان العقل والنقل الخ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت