فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 292

إن معالم المعركة الأولى تتمحور حول (مفاصل) التقاليد والسنن والتوزيع الصحيح للاهتمام بمفرادت التكاليف الشرعية ، وما يتصل بها مما يحفظ كيان الأمة . وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن المسلمين منتشرون في بقاع الأرض ؛ ولذا فإنهم يعيشون في ظروف شديدة الاختلاف تؤدي إلى تفاوت عظيم في معرفتهم بالدين ، كما أن الثقافات الأجنبية التي تأثروا بها مختلفة أيضًا ، والمؤثرات المدرسية والمناهجية التي تعرضوا لها متفاوتة ، وهذا كله يجعل إمكانات إقامة التوازن بين متطلبات الدين ومتطلبات الدنيا مختلفة ، كما يجعل تحرير الخلاف وترجيح الصواب مختلفًا أيضًا ! ولا ننسى في هذا السياق الآثار الكثيرة التي تتركها توجهات الحكومات المختلفة في إبراز أجزاء من الدين وضمور أجزاء أخرى بحسب المصلحة !

ونستطيع القول: إنه كلما خمدت حركة الفقه في دين الله ، زحفت العادات والتقاليد والبدع لتحل مكانه في حياة الناس ، ذلك لأن من شأن البشر أن يجعلوا الدين - الذي هو منهج رباني مطلق فوق الزمان والمكان - واحدًا من عناصر ثقافتهم بدل أن يكون الموجّه لتلك الثقافة والحاكم عليها ، وذلك ميسور عليهم ولا سيما حين تكون هناك بعض الملابسات بين العادات وحقائق الدين في الكُنْهِ أو المظهر ، وقد ذكر ابن الجوزي - رحمه الله -"أن من الناس من لو جلدته حتى يصلي ما فعل ، ولو جلدته حتى يفطر رمضان ما فعل !"مع أن أهمية الصلاة أعظم . وفي زمننا صار إنكار الناس لتعدد الزوجات في كثير من بلاد المسلمين أعظم من إنكارهم للزنا ! كما صار هناك استغراب من إقبال الشباب على المساجد لأن المساجد خُلقت لمن أكل الدهر عليهم وشرب ، على ما تعودوه في عقود مضت . وفي زماننا تُشْتَنْكَرُ الفاحشة من البنات ويغضُّ الناس الطرف عنها إذا وقعت من الرجال ولا سيما الشباب ! !

وفي زماننا يُتَّخذ الاهتمام بليلة القدر والمولد النبوي وليلة النصف من شعبان وإغراق الأسواق بالسلع في رمضان قناعًا وستارًا مشهودًا ومن خلف الستار لضرب ركائز الإسلام ومبادئه الكبرى وجعل الداعين إليها غلاة متشددين إرهابيين ! !

ويزداد الطين بلة حين يُسهم في هذا الخلل أشخاص تثق بهم العامة لما عندهم من العلم والتقوى . والعامة غير قادرين على مناقشة الأفكار ولا التمييز بين الأدلة ؛ مما يجعلهم تبعا للأعلى صوتًا والأكثر تابعًا . وهذا كله يجعل مسألة تحجيم الآبائية أكثر صعوبة وتكلفة . لكن لا خيار: فإما المنهج وإما المنهج ، وإلا فكيف يكون خلود الرسالة ، وكيف تستمر أنوار النبوة في العالمين ؟ !

المعركة الثانية لا تبتعد في منطلقاتها وعقابيلها [*] عن المعركة الأولى ؛ إذ أنّ تقديس القديم لمجرد أنه قديم هو الطاقة المحركة لأبطالهما ، لكن الخصوم يختلفون فإذا كان الخصوم في معركة الحياة الاجتماعية من العامة والدهماء وأنصاف المتنورين فهم في الثانية ممن يحمل العلم ، ويحسب نفسه من المصلحين - وقد يكون كذلك - لكن بُنَى ثقافتهِ العميقة لا تختلف كثيرًا عما لدى العامة !

هذه المعركة هي معركة الاجتهاد والتقليد ، والاجتهاد هو بذل الجهد لمد سلطان النصوص إلى كلّ الحوادث والحالة المستجدة المشابهة في علة الحكم لحالات ورود النص وتطبيقاته لدى السلف ، على حين أن التقليد يحجم من فاعلية النصوص ، ويجعل مجالات الاهتداء بها تتضاءل يومًا بعد يوم ؟ ذلك لأن أية مرحلة سابقة لا تَتَّسِع في تنظيماتها وآلياتها ومعطياتها الجزئية لمرحلة لاحقة ، وهذا ما دعا الصحابة والتابعين من بعدهم إلى الاجتهاد ، وهو ما يدعونا أيضًا إليه .

لعل نقطة الخلاف الأساسية ليست في تجويز الاجتهاد والتقليد لشرائح محددة من الأمة ، وإنما تكمُنُ في نزع (صفة دوام الصواب) عن المجتهد ، ومع أن الجميع يُصَرِّحون بأن المجتهد يُخطئ ويُصيب ، إلا أننا نجد في الممارسة العملية مواقف لا تحصى لا تدلّ إلا على اعتقاد أصحابها العصمة في بعض الأئمة والمجتهدين لاعتقادهم أن إحاطة أولئك الأئمة بالأدلة وَحِدَّةِ ذكائهم وفهمهم مع ما أكرمهم الله به من التوفيق يجعل وقوع الخطأ منهم نادرًا أو معدومًا ! وقد رأينا كثيرًا من طلاب العلم يلتزم الواحد منهم مذهبًا واحدًا في كل دقائقه ، ويحاول الدفاع عن ذلك بكل ما أوتي من قوة ، ويوالي ويُعادي في ذلك ، ويخسر إخوة في الله ، وهو يظنّ أنه يخوض معركةً لِنُصرة دين الله !

وهذا يدل على جهلٍ فاضح في العملية الاجتهادية المعقَّدة ، والتي تلتحم فيها عناصر أربعة ، هي مجال رحب ، للاختلاف بين المجتهدين ، هذه العناصر هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت