يمكن أن نقول بإيجاز: إن المفكر هو من يملك رؤية نقدية ينقل من خلالها تناقضات مجتمعه ومشكلاته إلى حسِّ الناس وأعصابهم ، لتصبح إحدى مفردات همومهم اليومية ، وهو بما يعرف من سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق ، وبما يملك من رؤية شاملة فاحصة للواقع والتاريخ يتمتع بـ (حاسة الاستشعار عن بعد) ، فيرى ما لا يراه الناس ، فينذرهم ويوجههم نحو طريق الفلاح . وكثيرًا ما تكون حياة المفكر قلقة ، بل قد يدفع حياته ثمنًا لما يحمل من فكر ، إذ أن المفكر كثيرًا ما يكون سابقًا لمعاصريه ، وهذا يجعل إدراك أبعاد ما يقول غير متيسر لأكثرهم ، كما أن ما يحدثه من استبصار في مشكلات أمته يتعارض مع مصالح فئات في المجتمع ، تقتات من وراء وجود تلك المشكلات ، مما يثيرها عليه ، ويجعله هدفًا لها . وقد يكون المفكر متخصصًا في أحد فروع العلم ، وقد لا يكون . وقليل أولئك الذين يتقنون تخصصًا ما ثم تكون لهم رؤية مجتمعية شاملة .
أما المختص فإنه يكون - في الغالب - متبحرًا في علم من العلوم التطبيقية أو الإنسانية ، فهو لا يصدر عنه إلا ليعود إليه ، وكثيرًا ما يكون المختص فاقدًا للوعي الاجتماعي ، إذ إن التخصصات في حالة من التوسع المستمر ، كما أن مشكلاتها في تزايد مستمر ، ومهما بذل المرء من جهد بغية إتقان تخصصه وجد أن التراكم المعرفي يبعده عن غايته تلك ، وهذا يقتضي منه المزيد من الانهماك فيه ، والمزيد من البعد عن مشاكل الحياة اليومية ، وبالتالي فهو يبتعد باستمرار عن الرؤية الشاملة .
وحياة المختص - في الغالب - أقرب إلى السلامة والاستقرار ، لأن الفئات التي تنزعج من المفكرين تتخذ من الاختصاصيين وسائل تساندها - ولو بصورة سلبية - في الوصول إلى مصالحها .
ويمكن أن يقال: إن المختص يشبه طبيبًا في قافلة كبيرة ، فهو لا يعرف الكثير عن أهداف المسيرة أو محطات التوقف ، إذ إن معالجة الأعداد الكبيرة من المرضى تستغرق كل وقته ، أما المفكر فهو قائد القافلة الذي عنده معرفة تامة بكل المشكلات الكبرى التي تواجه القافلة ، كما أن مخطط السير واضح لديه تمامًا ، وهذا في الغالب يجعله لا يتمكن من معرفة التفاصيل الدقيقة لكل شؤون الرحلة ، ولماذا يهتم بذلك وهناك المختصون الذين يعملون على علاجها وتسييرها .
التخصص ومشكلاته:
يجب القول ابتداء أن مجالات التخصص آخذة في التفرغ يومًا بعد يوم ، والباحثون يشعرون بضيق المجالات التي يعملون فيها وميلها إلى شدة التخصص ، وهذه الحال نفسها هي التي أدت إلى التراكم المعرفي الضخم الذي نراه اليوم ، حتى إن بعض المولعين بالإحصاء يقولون: إن المعرفة تتضاعف فيما بين كل عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة ، وهذا كله ما كان ممكنًا لولا التخصص الدقيق والدقيق جدًا ، لأنه وحده الذي يسعف في رفع سقف المعرفة ، وهو وحده الذي أدى إلى وجود كل هذه الإنجازات التي نراها . والذين يحاولون إظهار أنهم على معرفة موسوعية يعرضون - في الغالب - معلومات ناقصة أو مزيفة ؛ لأن زمان المعرفة الموسوعية قد انتهى .
ولكن لابد هنا من القول: إن ما تم من إنجاز علمي ، وبذل في سبيله الغالي والنفيس ، إنما وجد من أجل خدمة الإنسان وتحقيق سعادته ، وعلى المختصين أن يتأكدوا من أن تلك الإنجازات حققت أهدافها ، وظلت في مأمن من أن تستخدم لتدمير إنسانية الإنسان ، بل وجوده كله ! !
ولنضرب لذلك مثالًا واحدًا نجلو به ما نرمي إليه .
فقد كان من المعروف قبل الحرب العالمية الثانية أن العلماء الألمان قطعوا شوطًا بعيدًا في محاولة استغلال المعرفة النظرية المتعلقة بالتركيب الداخلي للذرة ، وكان من المسلم به أن هذه المحاولات ستسير في المجال العسكري ، وكان هناك خوف من أن تستغل الطاقة الهائلة التي تتولد عن انشطار الذرة في تدمير الإنسان على يد هتلر الزعيم النازي ، ومن ثم فإن مجموعة من العلماء الفارين من جحيم النازية إلى أمريكا طلبوا من الرئيس (روزفلت) رئيس أمريكا آنذاك تخصيص الأموال والوسائل اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية قبل أن يتمكن العلماء الألمان من صنعها وجعلها في يد حاكم مثل هتلر يستخدمها في فرض قيم معادية للإنسانية ، وكان في ظنهم أن حيازة أمريكا لها سوف يردع هتلر - فيما لو امتلكها - عن استخدامها . وتم ذلك في مدة قصيرة حين أجريت أول تجربة ذرية في عام 1945 في صحراء نيفادا ، ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى ألقيت أول قنبلة على (هيروشيما) في اليابان في الثامن من آب عام 1945 ، وأعقبتها بعد أيام قنبلة أخرى على (نغازاكي) مما عجل بالاستسلام النهائي لليابان .
وقد كان من رأي العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية أن تجرى تجربة دولية أمام مندوبين من مختلف بلاد العالم لإطلاعهم على مدى القوة التدميرية للقنبلة ، ويطلب من اليابان أن تستسلم على هذا الأساس ، ولكن الحاكم السياسي لأمريكا آنذاك ، وهو الرئيس (ترومان) كان له رأي آخر .