أ - إن تضخم الجانب العاطفي لدى المرأة على النحو المعروف يُنظر إليه عادة على أنه الحلقة الأضعف في تركيبها النفسي ، كما أننا ننظر النظرة نفسها إلى ما نحسّه من تضخم (عقلانية) الرجل وبرودة عواطفه .
فإذا نظرنا إلى كل منهما على أنه طرف في تركيب واحد هو الأسرة أدركنا أن ما خلناه نقصًا هو في الحقيقة مظهر كمال ، وعامل توازن وانسجام ، إذ إن طبيعة وظيفة المرأة في رعاية الأطفال ذوي الشفافية والرهافة المطلقة .. تتطلب مشاعر وعواطف كالتي عند المرأة ، وطبيعة وظيفة الرجل في قيادة الأسرة ، ومعاناة طلب الرزق ، وخوض المواقف الصعبة .. تتطلب من قوة الشكيمة وتماسك الشخصية كالذي نجده عند الرجل .
إن دعاة تحرير المرأة لم ينظروا هذه النظرة ، فدفعوها إلى المطالبة بالمساواة مع الرجل ، وأدى ذلك إلى الإخلال بالتوازن الأسري ، وكثرت حوادث الطلاق ، وكُلِّفت المرأة بالقيام بأعمال لا يتحملها تكوينها ولا جملتها العصبيّة ، والأخطر من ذلك: انتشار مظاهر الشذوذ واستغناء النساء بالنساء ! !
ب- إننا كثيرًا ما نصوِّر (القلق) على أنه مرض نفسي ، وهو كذلك عندما يتجاوز حدودًا معيّنة ، لكن حين نتذكر أن الطمأنينة كثيرًا ما تكون زائفة ومبنية على معطيات موهومة ، وهي حينئذ أخطر من القلق وأشد فتكًا بوجود الإنسان ، ولذا: فإن بعض صور القلق ولا سيما (القلق المعرفي) تكون ضرورية لتوازن الشخصية ، وللوعي بالمصير وتدارك الأخطار قبل فوات الأوان .
ج- إذا نظرنا نظرة أحادية إلى ثبات المبادئ والتشبث الشديد بها ، فسوف نراه جمودًا وعائقًا في سبيل التطور ، وربما دفع ذلك ببعض الناس إلى التفريط بها أو إلى الثورة عليها .
وإذا نظرنا إلى (التطور) على أنه مجموعة من التغيرات المستقلة ، فسوف نراه (تفلتًا) وطيشًا وخيانة للأصالة ...
ولكن حين نسلك كلًا من الثبات والتطور في ظاهرة (الزوجية) الكونية ، فسوف يتبين لنا أن ثبات الأصول والمبادئ والنواميس ليس جمودًا ولا عائقًا للتغير المطلوب ، وإنما هو سمة أساسية لطبيعتها ؛ إذ لا يستطيع المبدأ أداء وظيفته إلا من خلال ثبوته واستمراره ، كما أننا سنجد أن جمود المبادئ شرط أساس لجعل التطور ذا معنى ، ولإبقائه تحت السيطرة ، وفي الاتجاه الصحيح .
والتطور في الأدوات والأساليب والخطط والأشكال ليس تفلتًا ، بل إنه ضروري للمحافظة على المبدأ والجوهر والهدف ؛ إذ إن صروف الأيام والليالي تعطب بعض جوانب المناهج والخطط والأشياء ، وليس هناك حلّ لذلك سوى التخلي عن الأجزاء المعطوبة ، وإحلال غيرها محلها .
وإن تحويل الأشياء إلى بنًي ثبوتية في سياق وسط مائج بالتغير والتطور لا يعني سوى التضحية بالأصل والفرع ، والجوهر والمظهر ، والمبدأ والوسيلة ...
وهكذا: فما يُظن نقصًا في بعض الأشياء يتحول إلى ضرب من ضروب الكمال إذا ما نظرنا إليه على أنه جزء من كل ، وعنصر في تركيب أشمل .
5-خَلَق الله (جل ثناؤه) الدنيا دارًا للابتلاء ، فوفّر فيها كلّ شروط الابتلاء ، ومن ثم: فإنه حيث يكون أمام المرء مجال للاختيار ، يكون في الحقيقة منغمسًا في حالة ابتلاء ، سواء أأخذ بأحد الخيارات ، أو ظل عاطلًا عن اتخاذ قرار .
كثيرًا ما تتيح ظاهرة (الزوجية) مجالات للاختيار والابتلاء ، وكثيرًا ما يجد الإنسان نفسه مأمورًا بالتوازن الدقيق في التعامل مع الظواهر الزوجية ؛ لأن الإخلال به يعني خروجًا عن المنهج الرباني ، وقد يعني ظلمًا للنفس أو تفويت مصلحة كبرى .
وحتى يكون الابتلاء تامًّا ، فإن الله (جل وعلا) قد فطر الإنسان على قابلية قوية للانجذاب نحو أحد المتقابلات وإهمال غيره ؛ مما يجعلني أذهب إلى أن الإخلال بالتوازن المطلوب في هذه المسألة ، يكاد يكون أصلًا !
ومن هنا: فإن الموقف الصحيح كثيرًا ما يتطلب نوعًا عاليًا من اليقظة الفكرية والشعورية ، وإلا: فما أسهل الانحراف إلى طرف على حساب طرف آخر !
عند تقليب النظر في واقعنا التاريخي ، وواقعنا المعيش ، نجد أن عدم إقامة التوازن بين الأشياء المتزاوجة كان سببًا لانحرافات كثيرة ، إذ كثيرًا ما نرى جماعة تهتم بالفكر والتنظير ورسم الخطط والتحليل السياسي ، لكنها تهمل جانب الروح والأخلاق ، وجانب السلوك ؛ مما جعلها فقيرة في جنود التنفيذ وأرباب الهمم العالية ، وجعلها بالتالي قليلة العطاء والتضحية ! .. ونجد في المقابل: جماعات تركز على مسائل صفاء القلوب وحسن السلوك ، لكنك لا تجد عندها أدنى وعي بأدب الوقت ومتطلبات العصر ، وقد يكون عدد أتباعها عشرات الألوف ، ثم إنك لا تعثر فيهم على مفكر واحد مرموق ! ، وكثيرًا ما يقودها ذلك إلى أن تكون ألعوبة في يد القوى المتنفذة ، مما يدفعها إلى حتفها ويجعل ضررها لا يقل عن نفعها ! .