1-إن المنهج الرباني يتسم بسمتين أساسيتين هما: التكامل والتفرد فهو نظرًا لتكامله لا يفسح المجال لعناصر أخرى منافية لجوهره ، وأما تفرده عن المناهج الأخرى فإنه يمنحه نوعًا من الحساسية الخاصة التي تجعل أي انحراف عنه أو به عن مقاصده وغاياته بالغ الضرر على أدائه وإصلاحه للشأن الإنساني كله ، فالصفاء الكلي ليس مطلبًا من مطالب الإيمان النظري ، ولكنه مطلب من مطالب توظيف المنهج ورسم دوائر حيويته وفاعليته ، وذلك نظرًا للعلاقة الجدلية بين النظرية والتطبيق ، فسلامة الإيمان على مستوى الاعتقاد تتأثر إلى حد بعيد بالأخذ الجزئي للإسلام على مستوى التطبيق ! .
وقد حذّر القرآن الكريم النبي-صلى الله عليه وسلم-من مطاوعة المشركين في الإعراض عن بعض المنهج الرباني حين قال: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } [1] .
2-إن خصال الخير في هذا الدين كثيرة ، وعلى مقدار ما يأخذ المسلم منها يكون كمال إيمانه وإسلامه ، لكن بما أن العمر محدود والطاقات محدودة فإن على المسلم إذا أخذ بعُمُد الإسلام ، واهتدى بهديه العام ، وقبس من كمالاته ، أن يبحث عن المجال الحيوي المناسب لاستعداداته وظروفه وطاقاته كي يتخذ منه محرابًا لتعبده وتقربه إلى الله تعالى ، حتى نحفظ للمجتمع الإسلامي توازنه ونسد ثغراته .
ومن هنا فإن عبادة طالب العلم محاولة النبوغ ، وإتقان التخصص حتى نحقق للأمة الاكتفاء الذاتي ولو في حده الأدنى على الصعيد العلمي والفني وعبادة علماء الشرع القيام بالتبليغ وإحياء السنن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتجديد وظائف التدين والتبصر في واقع الأمة ، وإن عبادة الحكام إقامة العدل ، ورعاية شؤون الأمة ، وحماية البيضة ، والتعفف عن الأموال العامة ونشر الدعوة ، وعبادة الجندي دوام التمرس بفنون القتال ، واستيعاب الأسلحة الجديدة واستشراف الشهادة ، والاستعداد الدائم للبذل والفداء ، وإن عبادة الأغنياء وذوي الجاه سد حاجة الفقراء ومساعدة الضعفاء على حل مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم ، والبذل في تشييد المرافق العامة ، وهكذا ...
وإن خروج كل واحد من هؤلاء عن مجاله الحيوي سيحرمه ، ويحرم الأمة من خير عظيم ، بل قد يؤدي إلى أضرار بالغة وخيمة العواقب ، فإذا صار هم العالم امتلاك المال بنية إعمار المساجد مثلًا تقلصت جهوده في ميدانه الحقيقي الذي ينبغي عليه المجاهدة فيه ، وإذا انشغل الحاكم بأعمال خيرية أو أداء النوافل عن واجباته الأخرى ، لم يكن ذلك موضع مدح ولا نفع ذي شأن للأمة المسلمة ، وهكذا ...
وهذا كله يحتاج إلى نوع من البصيرة النافذة بغية وضع الأمور في نصابها .
3-إن أنظمة الإسلام يكمل بعضها بعضًا ، كما يفعّل بعضها بعضًا ومن ثم فإن أي خلل أو ضعف في نظام من تلك الأنظمة يؤثر بالسلب على أداء باقيها ، وهذا يعود إلى ما ذكرناه آنفًا من ميزة (التكامل) التي يمتاز بها المنهج الرباني ، ونظرًا لأهمية هذه المسألة وضعف الإدراك لها سنفيض القول فيها عسى أن نشعر أننا نقف على أرض صلبة .
وفي البداية فإن مبادئ الإسلام ومنظوماته المختلفة تنضوي تحت رؤية واحدة مما يجعل التخلي عن أي منها هدمًا لجزء من الرؤية الكونية الإسلامية ويستوي حينئذ على الصعيد العملي على الأقل الجهل بذلك الجزء مع تجاهله أو جحده ، والنتيجة واحدة ، وهي غبشٌ في الرؤية على المستوى النظري ، واختلال في التوازنات العميقة على مستوى الشعور ، واضطراب أنظمة الحياة الإسلامية على مستوى الفعل والواقع المُعَاش ، وسنضرب العديد من الأمثلة لجلاء هذه الحقيقة .
أ- الزكاة جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي ، وعدم القيام بهذه الشعيرة يؤدي إلى عدم كفاءة النظام الاقتصادي ، كما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنظام الاجتماعي والأخلاقي أيضًا ، فالمقدار المفروض من الزكاة في الأموال وعروض التجارة هو 2 . 5% ، وهذا القدر كاف لسد العديد من حاجات المجتمع الإسلامي على مقتضى الحكمة الإلهية البالغة ، لكن ذلك سيكون في الأحوال العادية والطبيعية وفي غير الأحوال الطارئة كما في حالات الزلازل والفيضانات ، وذلك أيضًا فيما إذا التزم أغنياء المسلمين بإخراجها ، وإذا استمر ذلك الالتزام حقبة مناسبة من الزمن ، فلو قدرنا أن 10% من الأغنياء أخرجوا الزكاة وأن التزامهم بأدائها في مجتمع ما لم يمض عليه سوى سنتين ، فإن الزكاة آنذاك لا تقوم بمهامها على الوجه المطلوب ، حيث إن الحالتين اللتين ذكرناهما تجعلان الفقر يتراكم ويتفاقم إلى الحد الذي لا تفي أموال الزكاة بالتخلص منه .
ثم إن نظام الزكاة يؤدي مهامه في ظل فعالية الأنظمة الأخرى ، فإذا كانت موارد القطر شحيحة جدًا ، أو كان النظام السياسي فيه مختلًا ، وأدى ذلك إلى انتشار البطالة والعطالة عن العمل ، فإن نظام الزكاة بالتالي لا يوصلنا إلى الأهداف المنشودة منه .