حين نرى ( قلمًا ) فإننا نعرف سماته الظاهرة لأول وهلة ؛ فإذا أردنا أن نعرف ( ثمنه ) وجدنا أنفسنا بحاجة إلى درجة من الخبرة التجارية وأسعار الأقلام في السوق ؛ فإذا تجاوزنا ذلك إلى معرفة المواد التي صُنع منها القلم ومقدار كل منها والتقنية المستخدمة فيها وجدنا أنفسنا أمام معضلة كبرى ، ووجدنا أن الاقتراب من ذلك يتطلب وجود مختبرات متطورة وتجارب كثيرة وخبرات متخصصة وراقية ؛ ومع كل ذلك ففي الغالب تكون النتائج متواضعة ، وإلا لأمكن اقتباس أسرار التقنية المتقدمة بسهولة . ونحن في كل هذا نتعامل مع شيء محسوس ، لكننا تجاوزنا ما يوقفنا عليه النظر العابر إلى طبقات أعمق من الحقيقة .
2 -في المسائل الصغيرة والمحدودة نستخدم الحواس والأخبار المتواترة والمستفيضة ، ونصل إلى أحكام قطعية أو شبه قطعية ، وذلك كحكمنا بأن زيدًا من الناس موجود معنا في هذه الحجرة ، وكإيماننا بوجود بلد اسمه ( الصين ) وشخص مضى اسمه: حاتم الطائي أو الذهبي . ونحن لا نستخدم في إدراك هذا النوع من الحقائق والمعارف مقدمات أو عناصر ذهنية ؛ ومن هنا حصلنا على معرفة يقينية أو شبه يقينية .
أما إذا أردنا الاقتراب من قضية أو حقيقة ذات بنية مركبة فإن الأمر سيكون مختلفًا جدًا . وتكون البنية مركبة إذا ساهم في تشكلها عدد من الروافد المتباينة أوالمتقاربة ؛ وذلك كما إذا أردنا الوقوف على ما جرى في معركة من المعارك ، والآثار الرمزية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عنها . في مثل هذه الحالة يكون من غير الممكن فهم هذه الحقيقة أو الحقائق المركبة على نحو مباشر ؛ ولا بد من استخدام وسيط معرفي ، يسميه بعض الباحثين اليوم بـ ( الإشكالية ) . هذه الإشكالية مكونة من عدد من العناصر ، أهمها معتقداتنا ، بالإضافة إلى الخلفية الثقافية العامة أو ما كان يسمى بـ ( الأهلية ) ثم المعلومات المتوفرة حول القضية موضع البحث . فالطبيب الذي لا يؤمن بوجود ( الجن ) أو الذي لا يرى ( الإصابة بالعين ) سوف يُبعد كل ما يتعلق بهذين الأمرين عند التشخيص والعلاج لكل المرضى الذين يراجعونه ، والذي خبرته في الاقتصاد معدومة يمكن أن يصدِّق من يقول له: إن ثروته يمكن أن تتضاعف كل سنة مائة مرة إذا هو دفع ماله إليه .
والذي لا يعرف الاحتياطات التي تقوم بها الدول النووية نحو السلاح النووي فإنه يمكن إذا رأى قنبلة في صحراء أن يصدِّق من يقنعه بأنها قنبلة نووية ، وهكذا .
الإنسان وهو يستخدم هذا الوسيط المعرفي في استيعاب الواقع الموضوعي لا ينتهي في أكثر الأحيان إلا إلى نتائج ظنية ؛ وذلك لأن صلابة الرأي نابعة من صلابة المقدمات التي ولَّدته . وعند النظر في خلفياتنا الثقافية ومعلوماتنا حول القضايا التي نحاول فهمها نجد أنها كثيرًا ما تكون قاصرة وقابلة للجدل والنقد ؛ وهذا ما يجعل تعاملنا مع القضايا المركبة والمعقدة منطويًا على نوع من ( الاجتهاد ) الذي يحتمل الخطأ والصواب .
3 -كثيرًا ما نشكو من نقص المعلومات التي تساعدنا على فهم بعض الأمور ، وكثيرًا ما نجد أنفسنا بلا حول ولا طول تجاه الوقوف على بعض الدوافع لبعض التصرفات ، أو تجاه تقدير الآثار المترتبة عليه ، أو تكوين صورة جيدة عن واقعة تاريخية معينة ، وفي هذه الحالة نلجأ إلى ( التفلسف ) ، وليس من المبالغة القول:
إنه ما يمر على الواحد منا يوم دون أن يستخدم في كلامه وتأملاته نوعًا من التفلسف من أجل التغلب على ما نواجهه من نقص في عتادنا المعرفي .
نحن نستخدم ( التعليل ) في كثير من الأحيان من أجل جعل تصرفاتنا وأقوالنا تبدو منطقية ومنسجمة ، ونستخدم ( القياس ) لسد الفراغات التي تركها الاستقراء الناقص ، أو حيث يكون الاستقراء التام مستحيلًا ، ونستخدم ( التقنين ) من أجل تسهيل التعامل مع الأفكار والأشياء والمواد . والسنن الواردة في القرآن الكريم والسنن النبوية تهدف إلى مساعدتنا على أخذ العبر والوصول إلى مستخلصات مركزة حول الماضي والمستقبل . حين نمارس ( التحليل ) فإننا نرمي إلى تفكيك المعطيات المعقدة بغية النفاذ إلى جوهرها ، وإتاحة الفرصة لأدمغتنا كي تتعامل معها بكفاءة . وحين نتوقع حدوث بعض الأمور ، ونهجس بالمستقبل فإننا نقوم بعملية استكشاف للعلاقات بين الأسباب والمسببات ، ونفعل ذلك بغية إيجاد نوع من الاستمرارية الشعورية والظرفية ، وتوفير منطقة عيش آمنة وملائمة لحركتنا .