فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
حين ترى انغلاقًا في الفهم واعتزازًا بالاجتهاد والرأي، ففتش عن بنية التربية وأسلوب التعليم؛ إذ إن من شأن التربية المتسلطة أن تدفع في اتجاه التسلط، والذي يعني رؤية مريضة للذات وللغير. كما أن أسلوب التعليم القائم على فرض المعلومات وإلغاء دور الطالب، يؤسس لعقلية ترى في الجدل والحوار مدخلًا لهدم المعتقدات وتقويض ركائز المعرفة. مع أن المنهج القرآني يؤكد أن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اتخذوا من المجادلة أداة لنشر الدين والشرائع وترسيخها في نفوس الناس وعقولهم.
ولعلي أسوق في هذا الشأن الملحوظات الآتية:
1-إن عقولنا لا تدرك الحقائق دفعة واحدة، وإنما على دفعات متعددة، وقد تنقضي الأعمار، دون أن نشعر أننا استحوذنا على كل أبعاد حقيقة من الحقائق أو أدركنا كل ميزات شيء من الأشياء، وهذا يعني أن أبواب التطوير والتحوير لآرائنا ورؤانا ستظل مشرعة. والدليل على صحة ما نقول استمرار العالم في إنتاج أشكال جديدة من كل المصنوعات التي تمكّن من إنجازها عبر القرون، ولم يقل أحد: إن هذا الشكل أو هذا الطراز من هذا الشيء هو آخر ما يمكن إبداعه، بل إن الحاصل هو العكس من ذلك تمامًا؛ إذ يحث كل خبراء التقنية على رصد المزيد من المال من أجل دفع عجلة التطوير، والذي كثيرًا ما يعني تخفيض التكاليف وتحقيق مستوى أعلى من الجودة وتوسيع الوظائف. وكثير من هذا يتوقف على اكتشاف المزيد من الخصائص التي زوّد الله تعالى الأشياء بها، كما يقوم على معرفة المزيد من العلاقات التي تربط بينها. وتقليد ما لدى الآخرين واستعارة بعض ما لديهم من أفكار وأساليب، من الطرق اللاحبة المطروقة في كل ذلك. هذا كله يعني أن نعدّ الكثير من اجتهاداتنا شيئًا مؤقتًا وقابلًا للتغيير في أي وقت. ومثل هذا الاعتقاد هو الذي يحمينا من شرور التصلب الذهني والتكلس الثقافي، ويدفع بنا في اتجاه الانفتاح على ما لدى الآخرين، ومحاولة اقتباس شيء مما لديهم. وهذا في الحقيقة أحد الأسس المهمة في مسألة المثاقفة.
معظم مشكلاتنا، من صنع أيدينا، وبعضها مما صنعه الآخرون لنا، لكن سيظل لدى أولئك الآخرين جزء من الحل لما صنعوه لنا ومما صنعناه لأنفسنا، وإنكار هذه الحقيقة، أو التقليل من شأنها، يدفع بنا نحو العنصرية الثقافية، ويدخلنا في نفق الارتباك والركود.
2-كثيرًا ما ننسى أننا محدودون وضعفاء، وكثيرًا ما نذهل عن كون أدواتنا الفكرية والمعرفية غير كاملة، مما يجعل ما نبلوره من آراء وننضجه من أفكار ومواقف موسومًا بالخلل والقصور. إن المصطلحات والتعريفات التي نستخدمها في صياغاتنا الفكرية والثقافية غير حاسمة، ومعرضة دائمًا للإصابة بوباء التحيز والانتقاء، كما أن النظام اللغوي - أي نظام لغوي- الذي نعوّل عليه في تأسيس الوعي بالذات وبالأشياء هو نظام غير مكتمل، وعلى الرغم من عدم اكتماله ونقصان كفاءته، فإن سيطرتنا عليه تظل محدودة!
الوضعية الناتجة عن كل هذه المعطيات هي أننا سنظل نبحث عن الحقائق، وسنظل نُواجه بأسئلة لا إجابات عنها؛ لأن الحقيقة ذات طبقات عديدة، وكلما اخترقت طبقة وقفت أمامك طبقة جديدة تتحداك، لتشعر بالتالي أن طريق الاكتشاف يبدأ ولا ينتهي، هذه الحالة الصعبة تجعل نتائج بحوثنا ودراساتنا للظاهرة الواحدة تتباين وتتقاطع في كثير من الأحيان؛ مما يجعلنا قادرين على القول: لدينا جزء من الحقيقة ولديكم جزء آخر، فكيف السبيل إلى المزج بينهما؟ أو كيف السبيل إلى جعل ما لدي من خبرة ومعرفة يشكل مع ما لديك منهما طريقًا إلى الدنو معًا من الحقائق الثابتة والمعارف القطعية؟
قد يكون الدخول في حوار على أساس ما أصّله سلفنا وأئمتنا حين قالوا:"مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب"هو الذي يجعل من المثاقفة شيئًا لا بديل عنه لتضييق دوائر الجهل وتوسيع دوائر الاستنارة والفهم.
إن لدى الناس شعورًا غريزيًا يدفعهم إلى الاعتقاد بأنهم دائمًا على صواب، وعلينا أن نتعلم كيف نقاوم هذا الشعور، ونتخلص من قيوده وعقابيله، وكلما كان الشعور قويًا وراسخًا لدى الواحد منا كان الشعور بخيبته بنفسه أكبر وأشد، لكن إدراك هذا قد لا يتم إلا بعد فوات الأوان!