فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 292

وقد وقف الصحابة - رضوان الله عليهم - موقفًا مشهورًا من شروط صلح الحديبية التي كانت في ظاهرها مخالفة لمصالح المسلمين ، ولولا أن الذي ارتضى تلك الشروط النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤيد بالوحي لكان هناك شأن آخر . لكن الله - تعالى - جعل فيها من الخير والبركة ما حمل أكثر المفسرين على القول: إن المراد بالفتح في قوله - سبحانه -: { إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } [الفتح 1] صلح الحديبية [3] . وسبب ذلك الموقف أن الصحابة ما كانوا قادرين على إبصار مآلات تلك المعاهدة ونهاياتها .

واليوم نجد رغبة جامحة لدى كثير من الدعاة والعاملين في حرق المراحل والقفز فوق الحواجز بدافع من الصدق والإخلاص ، والسبب في ذلك أنهم ما أحاطوا خُبْرًا بجوانب العملية التغييرية الكبرى التي يتصدون للقيام بها . ونجد ذلك بشكل واضح لدى الشباب الذين يغلي في دمائهم حب هذا الدين والغيرة على هذه الأمة .

وسبب الاستعجال عند الشباب يعود - في أكثر الأمر - إلى أن كثيرًا من قادة الدعوات يوهمون الشباب بأن التمكين في الأرض وبسط سلطان الدين هو قاب قوسين أو أدنى ، وذلك رغبة في كسبهم وإغرائهم بالعمل الدعوي ، حتى إذا مرت السنين تلو السنين أدرك أولئك الشباب أن الطريق أطول بكثير مما قيل لهم ، فيؤدي ذلك - عند أية هزة - إلى الإحباط والانزواء والسلبية أو إلى تسفيه القيادات واتهامها بالقصور وتجاوز المرحلة لها ثم الاندفاع خلف قيادات شابة تفتقر في أكثر الأوقات إلى الحكمة والخبرة والعلم والنتيجة معروفة !

وسبب ذلك أن الشيوخ ما بصَّروا الشباب بطبيعة طريق الدعوة وتكاليفه ومشاقه ، مع أن النصوص ، الواردة في ذلك كثيرة جدًا .

أما الجوانب التي لم نحط بها خُبْرًا فهي عديدة ، نذكر منها ما يلي:

أ- المنهج الرباني الذي نحمله ، منهج مشتمل على أجزاء صلبة راسخة لا يجوز أن تتطور أو يُغض الطرف عن شيء منها كي تؤدي وظائفها في الهداية والإصلاح ، وفيه أجزاء مرنة تقبل شيئًا من الموازنة لتحقيق خير الخيرين ودفع شر الشرين ؛ وكل أجزاء المنهج خير ، ومطلوب التحقق بها ؛ لكن الظرف هو الذي يعطي الأولوية لبعضها على بعض ؛ فأعمال الخير كثيرة جداَ لكن الحال المعاش يرجح شيئًا على شيء ، فإذا كانت في المسلمين مجاعة كان مجال إطعام الطعام أولى بالبذل من مجال التنفل بالحج والعمرة ، وإذا اجتاح العدو بلاد المسلمين كان تجهيز المقاتلين أولى من بناء مسجد أو تأثيث مكتبة عامة وهكذا .. وإذا كان المريض الذي نعالجه يشكو من أمراض عديدة وجب أن نبدأ بالأخطر منها كالنزيف مثلًا .

ب - ومما لم نحط به خُبْرًا على الوجه المطلوب الواقع الذي نتحرك فيه ، وهو واقع مفعم بالمؤثرات المختلفة حيث صار من غير الممكن معالجة أية قضية من قضايانا الكبرى على أنها شأن محلي خاص ، فوسائل الاتصال العجيبة المتاحة وتشابك المصالح وتداخلها ونفوذ الثقافة العالمية ، كل أولئك يجعل ما نظنه داخليًا خاضعًا لاعتبارات دولية وإقليمية إلي جانب الاعتبارات المحلية . وفهم تلك الاعتبارات ما عاد ممكنًا عن طريق التأمل والشفافية ، وإنما عن طريق الدراسات المتقنة والصلات والعلاقات والمعايشات الداخلية .. وفهم طريقة التفكير لصانعي الخيارات والقرارات .

ج - ومما لم نحط به خُبْرًا الإنسان موضع الدعوة ، وهذا الإنسان صار يخضع لمزيج كبير من المؤثرات الثقافية المتضادة - في كثير من الأحيان - مما يجعل تفكيره مختلفًا عن تفكيره في القرن الماضي ، ومفاتيح اهتمامه أيضًا تبدلت ، والطريق إلى حفز مشاعره صارت أكثر التواء . ولم يصاحب ذلك التعقيد كله ما يحتاجه من الفهم العميق القائم على معرفة النفس البشرية والسنن الإلهية التي تحكمها . وآية ذلك جمود خطاب كثيرين منا دون أدنى تحسين أو تحوير .

د- ومما لم نحط به خُبْرًا سنن الله - تعالى - في تغير المجتمعات ، ذلك التغير الذي لا يتوقف أبدًا لكنه لا يخرج عن الأحكام والأنظمة الإلهية التي تسيره ، وهو تغير أساسه الحركة البطيئة التي إن تسارعت لم تصل أبدًا إلى حد الطفرة المناقضة للفطرة . وبما أن عمر الإنسان قصير فهو متشوق أبدًا إلى معرفة نتائج أعماله ومجهوداته قبل أن يرحل عن هذه الدنيا لكن سنن الله - تعالى - لا تخضع للرغبات والأهواء ، ومن ثم فإن الله - تعالى - قال لنبيه: { وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنَا الحِسَابُ } [الرعد 40]

وإذا كان الوقوف على مفاتيح شخصية الفرد صار معقدًا ، فإن الوقوف على مفاتيح شخصية المجتمع أكثر تعقيدًا ؛ لأن أبناءه ينتمون إلى شرائح متعددة وكل شريحة منها تخضع لمؤثرات مغايرة ، وهذا يجعل التعامل معه غاية في التعقيد !

إن الحل الوحيد لحالات الاستعجال على قصف الثمار قبل نضجها هو الإحاطة المبصرة بكل جوانب التغيير المنشود وآلياته ، وإلا فإن كثيرا من الجهود ستكون جهادًا في غير عدو ، بل ستكون أخطر على الدعوة من أعدائها !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت