2-فيما مضى كنا نتحدث عن مسألة التزام الموظف بالحضور في الوقت المحدَّد وانصرافه كذلك في الوقت المحدد، كما كنا نتحدث عن ضرورة عدم التشاغل بأي شيء خارج عن طبيعة عمله أثناء وجوده في ذلك العمل، والحديث في هذا الشأن مازال مستمرًا لدى الكثيرين، لكن يُلاحظ أن الوضعية الجديدة للوظائف باتت تتطلب شيئًا أكثر من مجرد الحضور والانصراف، إنها تتطلب ألاّ يفكر الموظف في مسألة الدوام والعمل عامة على أنه طرف متعاقد مع جهة لها مصلحة مختلفة، إن عليه أن يعمل كما لو كان هو صاحب العمل أو شريكًا فيه، وهناك جهود كثيرة تُبذل وعلى أكثر من صعيد من أجل ترسيخ شعور جديد بالمسؤولية لدى العمال والموظفين تجاه أعمالهم، هذا الشعور يستهدف سلوكًا وظيفيًا جديدًا يتعامل مع العمل وكأنه شيء مصيري، في نجاحه نجاح الجميع ونجاتهم، وفي إخفاقه إخفاق الجميع وغرقهم؛ إذ من السهل جدًا أن يجد المرء نفسه في العراء من غير أي دخل، فالفصل اليوم يتم عن طريق الكمبيوتر وحساباته، كما أن كثيرًا من المؤسسات والشركات باتت تُغرق موظفيها بالرواتب العالية والمكافآت والميزات السخية، وبعضها يخصص للعاملين لديها جزءًا من الأرباح، وهذا كله يتطلب من الشاب الذي يريد بناء سيرة ذاتية جيدة، ويريد الارتقاء في السلم الوظيفي أن يغضّ الطرف عن مسألة الدوام والعمل ساعات محددة في اليوم، وأن يغضّ الطرف عن المناسبات الاجتماعية التي تعوّد حضورها، حتى شؤون أسرته، فقد يكون عليه أن يبحث عمّن يساعده في تدبير بعضها... هذا هو المنطق الجديد، وسواء أكان عادلًا أو ظالمًا، صحيحًا أو خاطئًا، فإنّ على ذوي الطموحات العالية أن يراعوه، ويتعاملوا معه باهتمام بالغ.
3-التربية التي تلقيناها كانت تؤكد من غير ملل على البطولة الفردية والنجاح الشخصي، ومع أن ذلك ينافي الروح الإسلامية إلاّ أن النجاح في الحياة والأعمال لم يكن يتطلب تأهّل الإنسان للعمل ضمن فريق أو بوصفه جزءًا من منظومة متكاملة، أما اليوم فإن الأمر مختلف جدًا؛ إذ إن قطاع الخدمات -الذي يشكل كما أشرنا القطاع الحي والرئيس بين قطاعات الإنتاج -حساس جدًا للخلافات والنزاعات التي يمكن أن تقع بين أفراد المجموعة الواحدة، كما أن تقديم أفضل خدمة يتطلب درجة عالية من الانسجام الروحي بين أفراد الفريق الواحد ودرجة عالية من الصبر والتعاون والتضحية غير المشروطة، ولهذا فإن الشركة أو المؤسسة الممتازة تحارب بلا هوادة المكايدات والمناكفات التي يمكن أن تنشأ بين بعض العاملين لديها، ولعل من أهم سمات الشخص الصالح للعمل ضمن فريق هي السمات الآتية:
1-قدرة عالية على الإصغاء وسماع النصح.
2-مساعدة بعض أعضاء الفريق في بعض مهامهم.
3-المحافظة على أسرار العمل.
4-الشعور بأن الفريق كله في مركب واحد.
5-غضّ الطرف عن الأخطاء والهفوات.
6-الجدية في معالجة الأخطاء.
7-البعد عن التحزبات والشللية داخل الطريق.
8-تكوين خلفية ثقافية جيدة عن جميع أعضاء الفريق.
العصر الجديد يتيح الكثير، ويتطلب الكثير، وعلى من أراد أن يكون معاصرًا أن يعي كل ذلك، وأن يكون مستعدًا له.
كنت قد تحدّثت في المقال السابق أن الحقبة التي نعيش فيها تتميز تميزًا واضحًا بالتركيز على المعرفة والخدمة، كما ذكرت أن الفاعلية في الأعمال والوظائف صارت مرتبطة بما يتم إنجازه، وليس بمسألة الدقة في الحضور والانصراف، كما كان عليه الأمر في السابق، وذكرت أيضًا أهمية إعداد المرء نفسه للعمل ضمن مجموعة؛ واليوم أتحدث عن مفردات وملامح أخرى، أعتقد أنها تشكل نبض عصرنا، وذلك عبر النقاط التالية:
1-نستطيع القول: إن الحرص الشديد على الإنجاز العالي وعلى مواجهة المنافسة المتصاعدة في سوق العمل وفي الإنتاج على نحو عام، قد جعل الناس عمليين أكثر، ودفعهم إلى تحييد قدر كبير من عواطفهم واعتباراتهم الشخصية، وذلك لصالح الكفاءة الشخصية والقدرة على التفوق في العمل وأداء المهام، وعلى سبيل المثال فإن توظيف الأقارب كان أمرًا أخلاقيًا في الدرجة الأولى؛ إذ من غير المفهوم أن يكون رب العمل محتاجًا إلى موظف، وله أخ أو ابن عم يصلح مبدئيًا أو تقريبيًا لأن يكون ذلك الموظف، ثم لا يقوم رب العمل بتوظيفه، إن ذلك يعبِّر عن نوع من العقوق والجفاء الذي يطلق ألسنة الأقرباء بالذم واللوم.
الأمر اليوم صار مختلفًا جدًا، فمصلحة العمل فوق الجميع، وهناك عزوف عام عن توظيف الأقرباء، بل إن بعض المؤسسات الكبرى ترفض أن يكون لديها موظفان يربط بينهما نوع من القرابة، وذلك منعًا للتكتلات الضارة بسير العمل، ومنعًا للاستغلال غير المشروع، ومن هنا فإن على المرء ألاّ يدخل في حساباته الوظيفية كون أحد أقربائه يملك مؤسسة كبرى، أو يدير شركة عملاقة؛ حتى لا يُصدم ويعاتب دون مُعْتِب.