فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 292

في الماضي أيضًا كان بعض الموظفين والعمال يعتمدون في البقاء في وظائفهم وأعمالهم، وفي الترقي في تلك الوظائف على التملق والمديح، وتقديم الخدمات الخاصة، أي على أنشطة غير موضوعية، وعلى مؤهلات لا يمكن الحديث عنها، ولا تعود على العمل بأي فائدة، وقد عبّر عن هذه الحالة واحد من هؤلاء حين بدأت الدوائر الحكومية بإدخال الحاسب الآلي واستخدامه في أعمالها، فقال: هذا الجهاز الجديد ينجز أكثر مما ينجزه عشرة من أمثالي، وأخشى مع الأيام أن يحل محلي، وأبقى من غير أي عمل، فأجابه زميل له بقوله: كن مطمئنًا فلن يجدوا حاسبًا منافقًا مثلك، ولهذا فإنهم لن يستغنوا عنك!

لا شك أن هذه الحالة في طريقها إلى الانقراض، لكنْ لها ذيلٌ طويل جدًا، وسيظل للنفاق والتملّق دور في تعامل الناس وفي توظيف الموظفين، لكن هذا سيتضاءل في الشركات الكبرى والمؤسسات المحترمة، وسيظل موجودًا في الدوائر الحكومية حيث لا تجد من يتألم لانخفاض الإنتاجية أو توظيف غير الأكفاء، كما أنه سيظل موجودًا في المؤسسات والشركات المهترئة التي تعيش خارج العصر، وخارج سياق أي منافسة، لكن مع هذا فإن النفاق والتملق سيتراجع على نحو عام، ولن يكونا في المستقبل بابًا لأي ارتقاء كبير أو تقدم حقيقي، وسيكون الدور الحقيقي في النجاح لأمرين مهمين:

أ - المبادئ والقيم التي لدى الموظف، وذلك من نحو الصدق، والأمانة، والدقة في العمل، وإنجاز الأشياء في موعدها، إلى جانب الرقة، واللطف، والدماثة، واستيعاب الآخرين على نحو ممتاز.

ب - القدرة الكبيرة على استثمار الطاقة والقدرة على متابعة المهام من غير كلل ولا ملل.

وهذان الأمران إيجابيان جدًا، ويشكلان العودة إلى المعايير الصحيحة في شغل الوظائف.

2-في الماضي كانت الأمور في العمل والأسرة وحتى العلاقات العامة -تُدار على أساس الترغيب والترهيب واعتماد سياسة (العصا والجزرة) ، وقد كانت تلك السياسات مبنية على معطيات تاريخية وتجارب غير مكتملة، وهي جزء من فلسفة قديمة تعتمد التحكم المطلق بكل بشيء، وذلك يأخذ بعين الاعتبار هواجس الطبائع والمصالح المتنافرة. أما اليوم فإن الأمر بدأ يختلف شيئًا فشيئًا؛ والحقيقة أن نظام المكافآت والعقوبات سيظل ساري المفعول لدى بعض الأسر والمؤسسات على الأقل، لكن يُلاحظ توجه جديد على صعيد التربية والعلاقات والتوظيف، وهذا التوجه يقوم على أساس الثقة بالناس وإطلاق إمكاناتهم الداخلية، وإيجاد صيغ جديدة تؤدي إلى توحيد المصالح عوضًا عن تنافرها وتصادمها، وهكذا فإن على رب الأسرة وعلى الأم كذلك العمل على تعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم، وعلى تدعيم الوازع الداخلي لديهم وحفزهم على أداء واجباتهم دون الحاجة إلى المتابعة والرقابة، وقلّ مثل هذا في قطاع الأعمال والوظائف، وهذا أيضًا تطوّر إيجابيّ، وهو يتناسب مع تكريم الله -تعالى- للإنسان ومع طبيعة الإيمان الذي من شأنه دائمًا حفز المسلم على فعل ما هو أحسن وأفضل، والكفّ عن كل ما هو سيّئ وشرير، وإن علينا أن نطوّر في أفكارنا وأساليب تربيتنا وإرادتنا بما يستجيب لهذا اللون من نبض العصر، إذا ما أردنا أن نظل قريبين من التطورات الحديثة المتتابعة، وأردنا أيضًا أن نستفيد منها على الوجه الصحيح.

التراكم المعرفي والتقدم التقني السريع والمنافسة الحادة في الأسواق، أمور ثلاثة غيّرت نبض العصر، وأدّت إلى بداية حقبة حضارية جديدة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. ومن المهم جدًا لكل الشباب أن يفتحوا أعينهم جيدًا على ملامح هذه الحقبة وعلى نوعية نبضها حتى يكونوا أشخاصًا فاعلين ومؤثرين وناجحين، ونحن ما زلنا نحاول استكشاف تلك الملامح؛ والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت