1-إن الحضارة الغربية ذات منظومات متكاملة في المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ولها تصورها الخاص في جميع شؤون الحياة ، وهي (الآخر) بالنسبة لنا ، وملاحظاتنا على أنساقها المختلفة ستظل محدودة الأهمية مالم نبلور البديل الأصلح والأنفع والأكمل في تلك المجالات كافة من منظورنا الخاص لنا [4] ، ولاسيما أنه الأجهر صوتًا والأكثر عتادًا وعدة ، وإذا كنا نملك قوة الحق فإنهم يمتلكون حق القوة ، ويطالبون بدفع استحقاقاتها .
وبإمكاننا أن نكون محنة وتحديًا حقيقيًا لهم في حالة واحدة ، هي أن نستطيع تقديم رؤيتنا الكونية بشكل واضح ، وأن نطرح بعض الحلول الجذرية المتميزة لبعض الاختناقات الحضارية التي يعاني منها بنو البشر اليوم ، وهذا لايتم إلا من خلال فيض من الخطط والدراسات والنماذج المتقنة ؛ وهذا كله سبيله الرؤية الفكرية الناضحة والشاملة .
2-من الممكن لكل الأنشطة الحضارية أن تمضي في سبيلها إلى حد معين ؛ فالاقتصاد في أسرة ، والنشاط الزراعي في حقل ، ومساعدة ضعيف في مجتمع ، كل ذلك من الأنشطة التي يتيسر القيام بها دون الحاجة إلى عناء التفكير ، لكن عندما يصل الأمر إلي تنشيط اقتصاد دولة أو التخطيط لمجتمع كبير أو حل أزمات حركة أو جماعة في ظروف حاسمة ، فإن التفكير المركز والمعقد يكون هو الآلية التي ينبغي استخدامها .
وإني أعتقد أن معاناة الأمة من بعض المشكلات لمدد تصل إلى قرون كانت بسبب إهمالها للفكر والنقد والمتابعة والمراجعة باعتبارها مبادئ أساسية في التغيير والإصلاح والارتقاء .
إن من المؤسف حقًا أن بعض الإسلاميين ينعت الحديث عن الفكر بالحديث البارد ؛ حتى إذا طرحت مشكلة وطلبت حلًا لها لم تجد إلا الوجوم أو الهروب ! !
3-إن العالم الإسلامي لايعاني من نقص في الإمكانات ولا الوسائل ، فما هو متوفر لديه إن لم يكن أكثر مما عند كثيرين لم يكن أقل ، لكن مشكلته تكمن في أن فاعلية وسائله ونجاعتها مرتكزة على الأساليب والطرق التي تستخدم تلك الوسائل ؛ والأساليب تظل محدودة الكفاءة مالم تستند إلى قاعدة فكرية صحيحة ، ترسم خطة واضحة للعلاج والاستطباب من خلال تشخيص الداء وتعيين الأسلوب الأمثل ومقدار التداخل الجراحي المطلوب إلى جانب تحديد أولويات العلاج وتكاليفه وإفرازاته ، وفي هذا المقام نجد أن الأراضي التي تكفي لإشباع قارة لاتشبع بلدًا ، وأن وفي الطاقة البشرية الهائلة صارت عبئا بدل أن تكون ميزة تمامًا كجيش ضخم لم يلق التدريب ، ولم يجد السلاح ، ولا الخطة القتالية الناجعة فهو أكوام من الكتل البشرية المستهدفة للعدو !
إن قليلا من الإمكانات والوسائل مع كثير من الفكر والتخطيط والفاعلية التنظيمية والحركية أعود على الأمة بالخير والنفع من أكداس الأشياء الضائعة والمهملة .
4-عصرنا هذا هو عصر الاكتشاف ، وقد اكتشف الإنسان من الحتميات والسنن مالم يكتشفه في أي زمن من الأزمنة ، ولكنه إلى جانب ذلك اكتشف من الفرص والخيارات الشيء الكثير ، وإن كثيرًا مما كان يفرض فرضا صار اليوم موضع خيار ، وإن وجود حتميات وضغوط وخيارات كثيرة يلزمنا باللجوء إلى التفكير الفعال ؛ حتى لانصل إلى طرق مسدودة ، وحتى لا نضيّع فرصًا متاحة ، إذ إن كل فرصة بحاجة إلى قرار ، وصاحب ذلك ضعفُ وضمورُ ماكان يستخدم في الأصل بديلًا عن التفكير مثل العادات والتقاليد والمذاهب التي توفر في العادة استخدام العقل [5] .
5-الاستقرار النسبي كان سيد الموقف في العصور الماضية ، وبما أن الأشياء لا تتغير كثيرًا فإن التكرار كان البديل الصالح عن التفكير ، كما أن قلة قليلة من الصفوة كانت تملك اتخاذ القرارات ، وكانت تقوم بالتفكير عن الباقين ، وكان صنع القرارات الشخصية ميسورًا ومحدودًا لكن المجتمع اليوم لاينعم بالاستقرار بسبب معدل التغيير الذي تغذيه (التكنولوجيا (والطموحات الاجتماعية [6] .
6-حينما تصاب أمة بدمار شديد أو زلزال ماحق فإنه يبقى لها بعد انهيار بنيانها شيئان: مبادئها السامية الكامنة في شخصيتها الاجتماعية ، وأفكارها وخبراتها التاريخية والحضارية ، وهي تستطيع من خلالهما استعادة كل ما فقدته عندما تتوفر إرادة تجاوز المحنة ، فقد دمرت الحرب كل شيء في ألمانيا ، ولم يبق لديها إلا مخزون الأفكار وعزيمة الانتصار ، فتمكنت من إعادة بناء مصانعها على ضوء الشموع بعد اندحار الهتلرية [7] وهكذا فإن أمة كأمتنا تستطيع بتوفيق الله أن تنجز الكثير ، وتستعيد الكثير إذا ما استطاعت صياغة أفكارها من جديد ، وتلمس سبل النجاة والفلاح .
وهكذا نستطيع القول بعد كل ما مضى: إن توسيع آفاق الفكر لدى المسلم سوف يؤدي إلى توسيع مجاله الحيوي ، ويقلل من ضرورات حركته [*] .
(1) المعجم الوسيط ، مادة فكر .
(2) انظر تعريفا آخر في: الأزمة الفكرية المعاصرة: 27 .
(3) كثير من أفكار ابن تيمية وابن خلدون جاء في غير أوانه وفي غير محيطه ، وقد وجد الآن كثيرا مما افتقده ، وأصبح يؤتي أكله أشكالًا وألوانًا .
(4) ماتصادمت حضارتان إلا كانت كل منهما محنة للأخرى .