سبحان الله ! ، إن رؤية الرجل الحسن مؤثر عظيم القوة عطل لدى المرأة الإحساس بالطهر والعفاف وكل معايير إكرام المثوى وحسن الضيافة وحفظ الزوج وحقوقه . هل يبقى شك بعد هذه الآيات بخطورة الاختلاط وعدم غض البصر ؟ هل يبقى بعد هذا تساؤل عن المقصود من قوله - تعالى -: { وقُل لِّلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ النور: 31] ، أو قوله { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور: 30] ، أو قوله - عز من قائل عليم -: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } [الأحزاب: 59] .
ومن فوائد هذه الآيات من سورة يوسف أن الله - تعالى - يروي للأمة تفاصيل قصة حصلت في السر أو هكذا خُطط لها بصورة فردية أعقبها فتنة عظيمة على مستوى نساء المدينة وبصورة علنية وعامة . وقد بلغت السرية كمالها عند إغلاق الأبواب والتي كانت سبعة أبواب (القرطبي) ، حيث الإرادة أن يتم المنكر معها وحدها ، لكن إرادة الله شاءت أن يطلع على ذلك الشهود وزوجها ونساء المدينة وكأنه - تعالى - أراد لهذا الدرس عنوانًا آخر هو أن مَن يهتك الستر الذي بينه وبين الله يهتك الله السر الذي بينه وبين الناس وأن من يتقِ الله يجعل له مخرجًا .
هذا ليعلم أن الفتنة والمكر قد يبدأ بصورة فردية أو حالة سرية هنا وأخرى هناك أو تساهل في مسألة ومسامحة في أخرى ، ولكن شر الفتنة لابد أن يعم المجتمع جُله إما بصورته المباشرة ، كما هو في كثير من المجتمعات متمثلة بانتشار الأمراض التي يعم شرها الصالح والطالح ، ذلك إذا لم يؤخذ على يد الفتنة والمكر من أوله وحال حدوثه ، والضابط في ذلك كله الشرع الإسلامي .
ومن الفوائد الأخرى ملاحظة خطورة إهمال البيوت والمجتمعات مما يجلبه الاختلاط والسفور والتبرج من فتن يمكن أن تعصف بالمجتمعات المسلمة ، فإنه من باب تشابه الميول والطبع بين النساء كما فطرهن الخالق كذلك ، فإن ترك باب الاختلاط والفتنة مفتوحًا على مصراعيه وإهمال الضوابط الشرعية في ذلك سيكون له - كما كان الحال مع امرأة العزيز - ردود فعل قد لا يسلم منها كثير من نساء ورجال المجتمع المسلم مما يودي إلى انتشار ما لا يحمد عقباه من أمور تضيع الدين وتخل ببنيان وحدات بناء المجتمع .
وكطباع الصالحين الذين وقاهم الله السيئات ، فإن يوسف - عليه السلام - عندما تعرض للفتنة ، فإنه اندفع ليهجر مكان الفتنة لينجو بدينه وعفته . ونستفيد من ذلك درسًا عظيمًا هو أن هجر المكان الذي يشاع ويظهر فيه الفساد - خصوصًا عند عدم القدرة على ردها أو اصلاحها أو إنكارها عمليًا - قد يكون واجبًا بحق الكثير منا . على أن هجر المنكر وداره ليس دائمًا مستطاعًا للجميع ؛ فإن الطواغيت غالبًا ما تلجأ إلى سد المنافذ { قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [25] .
أليس هذا ما يعمله طواغيت اليوم بالصالحين من سد منافذ الهجرة وفتح أبواب السجون وسد الأفواه والعيون بالأموال والآمال . وأما مَن لم يستبق الباب - وهو قادر على ذلك ورضي أن يكون في مكان السوء والفحشاء واطمئن من غير أن يحرك ساكنًا وهو قادر على ذلك - فأخشى أن يكون ممن قال فيهم خالقهم { إنَّ الَذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِتعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء: 97] . ولكن حسبنا الله ، فحتى من يملك القوة على الهجرة قد سد الطغاة في الأماكن الأخرى أبواب أرض الله الواسعة فسُقط في أيدي الكثير من الصالحين وإلله المستعان .
ثم إن أساليب الطغاة تتجدد ولا تتبدل . فإن نبي الله يوسف - عليه السلام - لما أنجاه الله من الفتنة الأولى وأظهر طهره وبراءته نصبوا له فخًا آخر أشد قوة ومعه التهديد بأن يكون من الصاغرين ، فما كان منه -عليه السلام - إلا أن قدم نفسه للسجن { رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ } [33] . وكانت له المكافأة هناك في السجن حيث قيض الله - تعالى - له جوًا مناسبًا للدعوة وإيصال دين الله لمن لم يمكن له - لولا السجن - طريقًا للوصول إليه . ذلك ليعلم طواغيت اليوم أن تكميم أفواه الدعاة أمر مستحيل حتى داخل الزنزانات والحديد . ولنا في أئمة الإسلام - بعد رسل الله - أسوة حسنة .