فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 292

بمعنى آخر ، أن هذه الأحياء قد يوقفها الألم عن طلب ما تسد به جوعها وعطشها حتى عند الضرورة ، يقررون ذلك بناءً على عدد كبير من التجارب على حيوانات مختلفة وحتى الإنسان . وعادة ما تتم هذه التجارب بوضع حاجز يسبب ألمًا شديدًا للكائن الحي عند محاولة اجتيازها للوصول إلى الطعام والشراب . فقد لوحظ أن كثيرًا من هذه الأحياء تتردد كثيرًا قبل اجتياز هذه الحواجز ، وقسم كبير منها أدى به الجوع والعطش إلى محاولة هجر المكان تخلصًا من هذا الضغط العضوي ، وعند الفشل بمغادرة المكان ، قد يقرر الكائن الحي اجتياز الحاجز وتحمل الألم في سبيل سد هذه الحاجة العضوية المهمة . في حين أن هناك قسمًا من الأحياء تصل به عدم القدرة على تحمل الألم إلى الموت .

نفهم من هذا السلوك أمرًا مهمًا هو أن أي مطلب أو حالة عضوية تؤدي بالكائن الحي إلى تجاهل أو تحمل الإحساس بالألم فلابد وأن يكون ذلك المطلب أو تلك الحالة العضوية من القوة بحيث تعطل ، ولو مؤقتًا ، أو تقلل - على أفضل تقدير - إحساس الكائن الحي بالألم .

وفي تجربة شخصية على عدد من الأحياء البحرية ، وُجد أنها تتوقف تمامًا عن تناول الغذاء في حالة حصول عطب شديد . أو لا عادي في الظروف المحيطة بالأحياء . وقد يتوقف الكائن الحي عن القيام بعدد غير قليل من الوظائف العضوية تؤدي به إلى الموت التدريجي إذا زاد العطب والفساد في المحيط من حوله .

ونظرة تفكر فيما تقدم وفي قوله - تعالى - يصف حالًا مشابهًا لحال الأحياء التي تتجاوز مرحلة الإحساس بالألم للحصول على شيء أكثر أهمية ، أو قل أكثر إلحاحاُ ، هو قوله - عز من قائل -: { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف: 31] ؛ إذ تشير الآية إلى واقع حال تجاوز فيه الإحساس بمطلب معين (وهو هنا الانبهار برؤية النبي يوسف - عليه الصلاة والسلام -) الإحساس بألم قطع اليد ، هذا الألم الذي يعرف الجميع ضرورة شدته بسبب تركز خلايا الحس في هذا الجزء من الجسم . إذًا فقد أدى ذلك المؤثر إلى تعطيل إحساس النسوة بألم قطع السكين ولو جزئيًا ..

والواقعة - كما هي معروفة من القرآن في سورة يوسف - تخبر عن مراودة امرأة العزيز لفتاها المملوك عن نفسه . تلك المراودة التي خطط لها أحسن تخطيط وتحرز لها كل الحرز على أن تتم بدون علم بشر { وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } [23] ولكن خبر المراودة والمحاولة انكشف بإرادة الله واطلع عليه مَن اطلع داخل البيت وخارجه . فطار الخبر للخارج - من غير جهة يوسف عليه السلام - بسرعة حتى أن نساء المدينة أصبحن يلُكن وينقلن الخبر في كل مكان ومجلس { وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًا } [30] ؛ حتى رجع الخبر إلى مصدره الأصلى الذي بُهت فيما يبدو من عظم ما يُحاك من مكر في الخارج { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } [31] ، وكأن حال لسان نسوة المدينة يقول إننا لا نجد لها عذرًا ؛ فهي مَن هي مركزًا ومقامًا وجاهًا ، وأنه لابد وأن يكون قد أصابها شيء إذ تفعل ذلك { إنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } [30] ، أي أننا لنستقبح منها ذلك الفعل ، فما كان من امرأة العزيز إلا أن صممت أن تجرب بهن نفس السلاح الذى عطل عندها أو أفقدها الإحساس بكل القيم العليا . وفيما يبدو من سياق الآيات الكريمة أن امرأة العزيز لم تزل قادرة على مراودة يوسف - عليه السلام - والخلوة به مع علم زوجها ، الذي كان قليل الغيرة أو عديمها ، ولهذا لما اطلع على مراودتها أول مرة قال { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ } [29] ، فلم يعاقبها ولم يفرق بينهما ، وهو كان له دور في تيسير دعوة يوسف للفاحشة من قبل نسوة المدينة . وكان أن كانت نتيجة التجربة أنهن قطعن أيديهن بسبب الرغبة الجنسية التي فاقت إحساسهن بالألم ، تلك الرغبة الجماعية منهن جميعًا والتي بيَّنها يوسف - عليه السلام - في قوله (تعالى) { وَإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ } [33] ، وقوله { ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } [50] ، فهن قد راودنه عن نفسه لأنفسهن ولامرأة العزيز !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت