فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 292

لقد بات من المؤكد اليوم أن من العسير على الدول الصغرى أن تهيمن على شؤونها الخاصة، حيث حواشي المناورة أمامها دائمًا محدودة، وأسواقها الداخلية أيضًا محدودة. وهي لا تستطيع أن تفتح أسواقًا عالمية لمنتجاتها بسبب ضآلة تلك المنتجات، ولا تستطيع تطويرها بالصورة المناسبة؛ لأن ذلك يتطلب إنفاقًا مكثفًا على البحث العلمي ... وهذا كله لا يتأتى للدول الصغرى. وليس من الشاذ ألا نرى اليوم أية دولة عظمى يقل عدد سكانها عن خمسين مليون نسمة، ومع هذا فالدول العظمى كلها داخلة في أحلاف وتجمعات فعّالة، تزيدها قوة إلى قوتها .

إن كل نوع من المشاريع له طاقة إنتاجية مثالية، فإذا قل عنها كانت منتجاته أكثر كلفة. وعلى سبيل المثال فإن مجمعًا حديثًا للتعدين، وذا دورة إنتاجية كاملة، تكون الصورة المثالية لطاقته الإنتاجية هي أربعة ملايين طن من الحديد الزهر، وخمسة ملايين طن صلب في السنة. وبالنسبة لمصنع إسمنت حديث فإن الطاقة الإنتاجية المناسبة له هي مليون طن سنويًا. وفي إنتاج سيارات الركوب 600 ألف وحدة. وبالنسبة لسيارات الشحن والجرارات في حدود 100 ألف وحدة .

فإذا كانت السوق الداخلية محدودة، ولم تكن هذه الصناعات عالية الجودة ورخيصة التكلفة، فإن إنتاجها سيتكبد خسائر، لا يقوى معها على الاستمرار !

إن التفاوت الذي نلمسه بين دولة إسلامية وأخرى كان لدى ولايات كثيرة في العالم، ثم استطاعت أن تشكل فيما بعد دولًا كاملة، فقد كانت الدويلات الألمانية كذلك، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية كذلك، ثم زالت الفوارق والمعوقات. شيء من التضحيات مطلوب على المدى القريب من أجل الوحدة لكن الثمار اليانعة سوف يقطفها الجميع فيما بعد . والمسألة من قبل هذا، ومن بعده مسألة مبدأ. والحسابات النفعية لا تُعطى أهمية كبرى في مجال المبادئ، وإنما يجري التحايل عليها، وتأويلها في سبيل الامتثال لما يجب أن يكون!

حدود التعاون الممكن:

أن من غير الممكن الآن تشكيل تكتل اقتصادي إسلامي على مستوى العالم؛ لأسباب كثيرة، لا داعي لتعدادها. وفي كثير من الأحيان يجد المرء نفسه عاجزًا حيال قضايا كثيرة؛ لكنه إذا قال: ماذا يمكن أن أعمل حيال المشكلات والصعوبات الكثيرة خلال عشرين عامًا، لوجد أنه يستطيع عمل أشياء كثيرة جدًا !.

وأود أن أؤكد أنه من الصعب إنجاز أشياء كثيرة في تحقيق التعاون الإسلامي بعيدًا عن الشعوب الإسلامية؛ فالحمل الذي يتم خارج رحم الأمة هو حمل كاذب !

وإن علينا أن نعترف أننا لم نقم بواجبنا - ولا على مستوى من المستويات- تجاه تأسيس ثقافة تفضَّل السياحة في ديار المسلمين، والتعرف عليها. كما أننا لم نفعل شيئًا ذا قيمة تجاه تفضيل استهلاك المنتجات الإسلامية، وإن كانت أقل جودة من غيرها؛ وما ذلك إلا لأننا لا نمتلك الوعي المناسب بخطورة نظام التجارة ، وقدرته على اكتساح كل النظم!

وأيضًا فإن جاذبية الغرب للصفوة فينا أقوى بكثير من جاذبية البلدان الإسلامية؛ ومن ثم فإن الولاء للمسلمين لم يتشخص في أي تحركات عملية وتبادلية، بل ظل عبارة عن مقولات ومشاعر !!

إن هناك إمكانات هائلة للتعاون بين المسلمين حكومات وشعوبًا، بشرط أن يُنظر إلى القضية على أنها قضية مبدأ ومصير في آن واحد. ومن ذلك الإمكانات:

أ. هناك جهل عريض لدى المسلم بأحوال إخوانه المسلمين، وجهل بالميزات والفرص ولإمكانات الاقتصادية المتوفرة في بلاد الإسلام. وإن بإمكان الجامعات والغرف التجارية والصناعية والاتحادات المهنية أن تقوم بالدراسات والبحوث والمسوحات التي تكشف عن الإمكانات والميزات في كل بلد إسلامي سواء أكانت صناعية أم تجارية أم خدمية، وأن تعمم نوعًا من الثقافة الاقتصادية .

كما أن بإمكان تلك المؤسسات إلى جانب الجمعيات والجماعات والأندية أن تنظم رحلات استكشافية وسياحية، الغرض منها التعارف وبناء الجسور بين رجالات الأعمال المسلمين.

إن أمة الإسلام لن تنجز الكثير، ما لم يشعر كل مسلم أن بإمكانه أن يصنع شيئًا ولو كان استهلاكًا لسلعة، صُنعت في بلد إسلامي، أو نشر معلومة تتعلق به، أو لفت الأنظار إلى مشكلة يواجهها .

ب. إن العالم الإسلامي متنوع الإمكانات والميزات والمناخات؛ وإن لكثير من البلدان الإسلامية ميزات ظاهرة، تشبه التخصص، ويمكن لها من خلال التعاون مع البلدان الإسلامية أن تسد حاجات كثيرة، وأن تسهم في النهضة الاقتصادية الإسلامية الشاملة.

إن أندنوسيا وماليزيا من الدول التي تستطيع تنمية صناعات مهمة، مثل صناعة الورق والإلكترونيات والطائرات إذا وجدتا التعاون من قبل الدول الإسلامية بالإقبال على شراء مصنوعاتهما، وتمويل بعض المشروعات فيهما.

وإن من الممكن جعل السودان مصدرًا للغذاء لدول أخرى عديدة، لكنه بحاجة إلى المعونة الفنية والمالية لاستثمار الإمكانات الهائلة التي لديه.

وإن بإمكان دول الخليج أن تقدم خبرات ممتازة، وتقود مشاريع عملاقة في مجال صناعة النفط وتسويقه، كما أنه يمكن لبعضها أن يساهم في تمويل مشروعات إنمائية في دول إسلامية أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت